أقلام وآراء

العلاقة الهندية الإسرائيلية

 

من “عدم الانحياز” إلى “الحلف الاستراتيجي”.. العلاقة الهندية الإسرائيلية

 بقلم: خليل حمد

عقب بدء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، شهدت مدن العالم قاطبة مظاهرات حاشدة رفضاً للمجزرة ودعماً للحق الفلسطيني، لكن الوضع في الهند كان مختلفاً، مظاهرات دعم لإسرائيل وطلب مئات الهنود الانضمام إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي للمشاركة في الحرب. وصل المئات بالفعل، وقُتل بعضهم وأصيب آخرون في القطاع. الخبر ليس عادياً لسببين: الأول أن جنوداً إسرائيليين كانوا يصارعون كي يهربوا من الخدمة، والثاني أن هؤلاء “المتطوعين” من الهند، التي كانت من أبرز أنصار القضية الفلسطينية.

لا شك أن هناك تحولاً كبيراً طرأ على العلاقة بين الهند و”إسرائيل” خلال 77 عاماً هي عمر الكيان على أرضنا، لكن نظرة على الماضي لا تفسِّر طبيعة التحولات وأسبابها، والتي نقلت الهند من دولة مؤسِّسة لحركة “عدم الانحياز” وداعمة للقضية الفلسطينية، إلى إحدى دول التحالف الاستراتيجي مع “إسرائيل”، يحتاج الأمر إلى قراءة في المتغيرات الدولية المحيطة بالقضية والواقع الهندي، وإلى البحث عن سياسة “إسرائيل” لتحويل الموقف الهندي، الرسمي والشعبي.

بمراجعة قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في 29/11/1947 نجد ان الهند صوَّتت ضد القرار، ثم صوَّتت ضد قبول عضوية “إسرائيل” في الأمم المتحدة ورفضت نيودلهي “الاعتراف” بـ “إسرائيل” لكونها “دولة” تأسست عبر القوة والمجازر والسلاح وليس عبر التفاوض والتوافق مع أصحاب الأرض الحقيقيين. دعم نضال الشعوب الرافضة للاستعمار كان مبدأً سياسياً دفع نيودلهي إلى إقامة علاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1975، وصولاً إلى منح المنظمة الاعتراف الديبلوماسي الكامل في آذار/ مارس 1980 إبان حكم رئيسة الوزراء الراحلة أنديرا غاندي، ولاحقاً كانت الهند من أوائل الدول غير العربية التي اعترفت بدولة فلسطين أواخر العام 1988.

وبناء على ما سبق، فإن الاعتراف الهندي بإسرائيل في أيلول 1950 بقي منقوصاً دون إقامة علاقات ديبلوماسية رسمية. تناقض واضح بين مبدأ “رفض القوة” الذي كان المهاتما غاندي عرابه في استقلال الهند، وبين قرار الاعتراف ولو كان غير مُفعَّل. السبب وراء ذلك يعود إلى بريطانيا.

احتلت بريطانيا الهند منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين، سنوات طويلة من الحكم الاستعماري مكَّنت الإمبراطورية البريطانية من زرع بذور “سيطرتها اللاحقة” على المفاصل الهندية الاجتماعية والعسكرية والسياسية. هذا لعب دوراً في طبيعة السياسة الهندية تجاه “إسرائيل” التي يوثِّق التاريخ أن إنشاءها على أرضنا كان فعلاً استعمارياً، لكون بريطانيا كانت الدولة التي احتلت فلسطين لسنوات، وسهَّلت هجرة اليهود إليها، وأضاف الفلسطينيين.

فكرة منظمة دول عدم الانحياز أثَّرت لا شك في الموقف الهندي، وضعف فعالية الحلف بموت مؤسسيه وانهيار الاتحاد السوفياتي وسيطرة الولايات المتحدة كقوة وحيدة في العالم وداعمة للاحتلال الإسرائيلي، كان لها دور في تراجع القوة الضاغطة على الدول الأعضاء للالتزام بمبادئه إضافة إلى ملف الصراع بين الهند وباكستان. رأت نيودلهي أن الموقف المناصر للقضية الفلسطينية يُكسبها تعاطفاً وأفضلية لدى الدول العربية، ويساهم في مواجهة النفوذ الباكستاني فيها

يومها كانت الهند –وكثير من الدول الأخرى– تحسب حساب الموقف العربي والمسلم من القضية الفلسطينية، ولهذا فإن إغضاب المسلمين الهنود لم يكن وارداً، وإزعاج مسلمي الدول العربية والعالم لم يكن هدفاً يحقق لنيودلهي مكاسب. تغيَّر الوضع اليوم بواقع اتفاقيات التسوية التي وقعتها دول عربية مع الاحتلال الإسرائيلي قبل الوصول إلى إحقاق الحقوق وإقامة الدولة الفلسطينية.

لم تتغير الهند جراء هذه الظروف فقط. عمل الاحتلال الإسرائيلي أيضاً على اختراق المجتمع الهندي لسنوات. أجرت الحكومة الإسرائيلية تعديلاً على قانون “العودة” عام 1970 سمحت بموجبه لمن أسمتهم “بذور إسرائيل” بـ “العودة” إلى أرض فلسطين التاريخية. نقطة استفادت منها قبيلة هندية اسمها “بني منشيه”، تسكن شمال شرق الهند، وتدَّعي أن جذورها تعود إلى إحدى قبائل إسرائيل العشر المفقودة، التي نفتها الإمبراطورية الآشورية قبل أكثر من 2700 عام. عزز فرص الهجرة و”أحقية” هؤلاء الهنود بالهجرة إلى فلسطين فتوى منسوبة إلى الحاخام الأكبر السابق لليهود الشرقيين (السفارديم) شلومو عمار عام 2005 اعتبرت بني منشيه من “بذور إسرائيل”. وسمحت لحكومة نتنياهو بقبول هجرة أبناء هذه القبيلة إلى “إسرائيل”. وصل 5 آلاف منهم إلى فلسطين التاريخية بالفعل، وينتظر نفس العدد فرصة الهجرة أيضاً.

غير ذلك، تبلغ نسبة الهندوس في الهند 81% من السكان، ولهم سيطرة كبيرة على البيئة الاجتماعية في البلاد، المتطرفون منهم والذين وصل عدد منهم إلى الحكومات الهندية في نهايات القرن المنصرم وحتى اليوم، يعتقدون بإقامة “دولة صافية العرق” تضم الهندوس فقط وتحكمها شرائعهم، وينظرون إلى الأقليات الأخرى على أنهم “منغِّص” لهذه الدولة نفس الأيديولوجيا الصهيونية التي تقوم على أساس “الدولة اليهودية الصافية اتي تحكمها الشرائع اليهودية” والتي “ينغِّص” الفلسطينيون المسلمون والمسيحيون “نقائها”. الأيديولوجيا تدخل إذاً في أسباب تحولات العلاقة بين الهند و”إسرائيل”.

في التطبيق، أدت سياسات حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الهند إلى سقوطه عام 1977، فوصلت إلى رأس السلطة في نيودلهي حكومة تحوي عناصر هندوسية متطرقة، وتؤمن بأن العلاقة مع “إسرائيل” تعزز موقف الهند في الصراع مع باكستان، فكانت زيارة وزير الحرب الإسرائيلي موشيه ديان سراً إلى العاصمة الهندية بداية لعلاقة تسليحية عسكرية واسعة، ثم جاء اغتيال أنديرا غاندي عام 1984 تكريساً لانتقال الهند إلى مقلب آخر في السياسة الخارجية، فقد قرر نجلها وخليفتها راجيف غاندي لقاء نظيره الإسرائيلي شيمون بيريز لأول مرة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة.

كرَّت السبحة، واتخذت نيودلهي من “إسرائيل” وسيلة للتقارب مع الولايات المتحدة -يعيدنا هذا إلى انتهاء التطبيق العملي لفكرة عدم الانحياز– وهو ما أدى إلى تسارع في خطوات التطبيع بين الهند و”إسرائيل”، وصولاً إلى إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة عام 1992. بلغت في نهاية التسعينيات نقطة متقدمة جداً، لتستقبل العاصمة الهندية رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها أرييل شارون في أيلول/ سبتمبر عام 2003.

منذ العام 2014، ومع عودة حزب “بهاراتيا جاناتا” بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بدأ الرجل بتعزيز علاقات بلاده الأمنية والعسكرية مع “إسرائيل”، وصولاً إلى زيارته للكيان وتوقيع 7 اتفاقيات تعاون أبرزها “الدفاع والأمن”. كل هذا أمام أنظار الولايات المتحدة ورعايتها، فكل تقدم في العلاقة مع واشنطن كان يتبعه أو يرتبط به خطوة في العلاقة مع تل أبيب. عام 2016 سمحت الهند للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية الهندية، وفي عام 2017 زار رئيس الوزراء الهندي “إسرائيل”. وفي عام 2018، منحت نيودلهي واشنطن صلاحيات واسعة لاستخدام التكنولوجيا العسكرية الهندية لحماية نفسها “واشنطن” مما تسميه “الاختراق الصيني”، وبعد وقت قصير زار نتنياهو نيودلهي ورفع مستوى التعاون مع الحكومة الهندية. واليوم، تتحدث الأرقام عن مليار دولار من الأسلحة الإسرائيلية تشتريها الهند سنوياً.

لا شك أن القضية الفلسطينية خسرت كثيراً من هذا التحول لكن الأسباب التي سبق ذكرها ليست الوحيدة، على المُراجع بموضوعية أن يعترف بغياب المشروع العربي والإسلامي الذي يُحافظ على مكتسبات الدعم الدولي للقضية، ويعززه ويزيده. ربما تكون حرب الإبادة الجماعية الأخيرة فرصة لإعادة ترتيب أوراق القضية بما يخدم الحق الفلسطيني، بالنظر إلى خفوت وهج الدعم الهندي لـ “إسرائيل” مع انفضاح الهمجية الإسرائيلية، وهو الأمر الذي وضع الهند بين خيارَين: الحفاظ على مكتسبات العلاقة مع تل أبيب، أو مراعاة مشاعر المسلمين في الداخل الهندي، ومشاعر العالم الرفض للجريمة الإسرائيلية في غزة. الاختبار بالمناسبة ليس للهند وحدها، بل لنا كي نعرف كيف نستغل هذه الثغرة لكسر العلاقة الاستراتيجية بين نيودلهي وتل أبيب، وان تراكمياً.

 

زر الذهاب إلى الأعلى