أقلام وآراء

ضمانات الحفاظ على وحدة الأرض والشعب بالمرحلة الثانية

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

المعلومات المتدفقة والمتواترة خلال الأيام القليلة الماضية توحي أن حالة المراوحة في قرار الإدارة الأمريكية بالانتقال إلى تطبيق المرحلة الثانية من قرار مجلس الأمن 2803، الذي قبلناه على علّاته الكثيرة، لوقف المقتلة والإبادة الجماعية والقتل جوعاً لشعبنا في قطاع غزة.

وقد عزّز هذه المصداقية في التوجه والقرار الإعلان عن تكليف السيد نيكولاي ملادينوف رئيساً للمجلس التنفيذي لمجلس السلام، الذي سيترأسه الرئيس ترامب، مع عدد من قادة دول العالم، تعبيرًا عن اهتمام والتزام العالم بوقف الحرب وبدء مسار سياسي يؤدي إلى ضمان الأمن والسلم في المنطقة عبر إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

السيد ملادينوف ذو مصداقية دولية وفلسطينية، وقد عمل مبعوثاً للسلام للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، ومن ثم في فلسطين، وخلال عمله في فلسطين، ومن موقعه في الأمم المتحدة، كان منحازاً للشرعية الدولية وملتزماً بما تمليه عليه واجباته المهنية دون انحياز أو تقصير في تحمل مهامه

ومباشرة لأعماله التقى مع نتنياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال، وكذلك مع نائب الرئيس الفلسطيني السيد حسين الشيخ، الذي دون شك خلّف انطباعاً إيجابياً عن فهمه لدوره وبما يمكن ضمان تنفيذ دقيق وأمين لخطة الرئيس ترامب التي تحولت إلى قرار مجلس الأمن.

ما يستتبع ذلك من الانتقال للمرحلة الثانية، سواء بالإعلان عن تشكيل مجلس السلم برئاسة ترامب منتصف الشهر الجاري، والمشاورات المكثفة التي تجريها القيادة الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية والوسطاء العرب في تشكيل اللجنة التكنوقراط الإدارية لإدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية الممتدة لمدة عامين حسب قرار مجلس الأمن.

لكن ما يهم التأكيد عليه هو التمسك الحازم للقيادة الفلسطينية ليس بمن يشكّل وكيف ستُشكّل اللجنة ومن يعلن عنها، وهو بالأساس شأن فلسطيني ـ فلسطيني، وأيضاً كيفية تشكّلها، وكيف ستكون علاقة هذه اللجنة العضوية بالحكومة الفلسطينية الشرعية سياسياً وقانونياً وإدارياً ومالياً وأمنياً، ارتباطاً بأن عملها لفترة انتقالية محددة بقرار أممي.

وثانياً دورها الإداري بتطبيق القوانين والتشريعات الفلسطينية النافذة، وستعتمد بالأساس على وزارات ومؤسسات الحكومة الفلسطينية التي ما زالت تعمل في قطاع غزة دون انقطاع منذ عام 1994 ولغاية الآن، رغم انقلاب حركة حماس وسيطرتها على قطاع غزة منذ عام 2007.

العلاقة العضوية مع حكومة دولة فلسطين والربط الإداري والقانوني والسياسي والأمني هي المؤشر الأول على وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني، والولاية القانونية والسياسية لدولة فلسطين على الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وعلى العودة التدريجية للسلطة الوطنية الفلسطينية لحكم قطاع غزة على قاعدة سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد.

عدم الوضوح في هذه العلاقة والربط ما بين اللجنة الإدارية والحكومة سيحوّل ما هو انتقالي إلى دائم، ومدخلاً لتقسيم وفصل قطاع غزة، وسيفتح الباب أمام طرح خطة انتقالية أخرى للضفة الغربية بمعزل عن غزة، وربما سنكون أمام وضع أسوأ مما كنا عليه في مواجهة صفقة القرن.

المؤشر الثاني والمهم، والضمانة الثانية، ارتباط هذه العودة مع بدء المرحلة الثانية، مع توفر جدول وسقف زمني للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، لأنه بدون انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة لا يمكن ضمان عدم استمرار تقسيم قطاع غزة إلى منطقة شرقية وغربية، بل يؤكد مجدداً أن هدف فصل قطاع غزة وتقسيمه ما زال هو المحرك الرئيس لسياسة نتنياهو في التعامل مع قطاع غزة، مع الحرص على التصعيد العسكري والعودة للحرب، مع التحضيرات المعلنة لضرب لبنان وإيران.

تسليم حماس لسلاحها وإنهاء سيطرتها على قطاع غزة، بقدر ما هو مطلب دولي، هو أيضاً مطلب فلسطيني لإنهاء معاناة شعبنا الذي دفع ثمناً باهظاً من مقدراته البشرية والاقتصادية، وأعادته إلى استحضار النكبة الأولى في ذاكرته الجمعية، ارتباطاً بإنجاز ذلك مع دخول قوة الاستقرار الدولية، المختلف لغاية الآن على مهامها ودورها، وما هي الصلاحيات المناطة بها: هل هي قوة سلام أم قوة قتالية لفرض الأمن؟ ونقطة الحسم في ذلك قرار مجلس الأمن الذي حدد مهامها وصلاحياتها، لكن الأهم من كل ذلك دور مؤسسة الأمن الفلسطينية والشرطة الفلسطينية الشرعية في ضبط الأمن، وإنفاذ القانون، والتنسيق مع قوة الاستقرار الدولية.

المؤشر الثالث هو التزامن والربط بالمرحلة الانتقالية لقطاع غزة، وهو ما تعمل عليه القيادة الفلسطينية مع خطة أيضاً في الضفة الغربية بتوافق دولي وعربي وإسلامي، تستهدف وقف الأعمال الأحادية الإسرائيلية من إجراءات الضم وتوسيع الاستيطان، وعنف المستوطنين المنظم والمحمي من جيش الاحتلال، علاوة على رفع الحصار عن المدن والقرى الفلسطينية وعن بعضها البعض، ووقف مصادرة الأموال الفلسطينية وإعادتها إلى خزينة الدولة بما يمكن الحكومة من النهوض بمسؤولياتها تجاه القطاعات الحيوية الاقتصادية والاجتماعية.

إن الموقف الدولي، بما في ذلك موقف الإدارة الأمريكية المتمسك بالسلطة الوطنية الفلسطينية، ورفض الإجراءات الرامية إلى تقويضها وانهيارها، رغم أهميته السياسية كموقف معلن، إذا لم يترافق مع ضغط على نتنياهو وحكومة التطرف والإرهاب التي يرأسها لوقف هذه السياسات والإجراءات، تبقى دعوات وإعلانات لا قيمة فعلية لها، ولدى هذه الدول الوازنة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، من الوسائل ما يكفي لإرغام نتنياهو على القيام بذلك.

إن الرهان على الموقف الدولي لوحده لا يشكّل ضمانة أكيدة لمنع تقسيم وفصل قطاع غزة عن الضفة، دون خطوات عملية ملموسة تؤكد حضور الشرعية الفلسطينية بقوة بمؤسساتها الفاعلة: منظمة التحرير الفلسطينية، ووزارات الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، وتصعيد المقاومة الشعبية السلمية وتطوير أشكال وأساليب عملها في مواجهة الاحتلال والاستيطان وعنف المستوطنين.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى