أقلام وآراء

الفلسطينيون ما بين التوطين والتهجير

 

 

بقلم: عايدة عم علي

عقود مضت ولاتزال والاحتلال الإسرائيلي يسعى، بدعم غربي وامريكي، إلى تصفية القضية الفلسطينية بوسائل متعددة، أبرزها التهجير القسري. واليوم تعود هذه المحاولات إلى الواجهة مجددًا، في إطار مشروع “الوطن البديل” الهادف إلى تفريغ قطاع غزة من سكانه وفرض واقع ديموغرافي جديد. ورغم الرفض الفلسطيني القاطع لهذا المخطط، ومحاولات مصر والأردن تجنّب تداعياته، فإن الضغوط الأميركية والإسرائيلية، لا سيما في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا تزال مستمرة، مما يمنح هذا المشروع بعض أمل للساعين إلى تنفيذه.

واضح إن جرائم الاحتلال الصهيوني في عملية التطهير العرقي تأتي امتدادا لجرائم الفاشية العنصرية التي ارتكبتها عصابات جيشه في قطاع غزة وارتفاع اعداد الشهداء والجرحى إضافة إلى حرق منازل المواطنين واستمرار عمليات الترحيل القسري للفلسطينيين من وطنهم، لكنها لن ولم تنال من إرادة وعزيمة وإصرار الشعب الفلسطيني المتمسك في حقوقه والمدافع عن مستقبل أجياله، وأن تمسكه في أرضه وبقاءه صامدا يشكل عمق حضارته وتاريخه وهو يرفض بشكل قاطع لأي محاولات لتهجيره من قطاع غزة أو الضفة الغربية ويتمسك بحقوقه وإقامة دولته ولن يقبل بالتهجير أو الوطن البديل وان كل مشاريع الاحتلال الوهمية حتما ستنتهي دون تأثير على المستقبل الفلسطيني.

يرى الفلسطينيون أن مغادرة قطاع غزة تعني اقتلاعهم وهذا من الاستحالة لشعب متجذر في ارضه وهو ما رايناه من المشاهد التي تعكس إصرار الفلسطينيين على البقاء مهما كانت الظروف قاسية. فارتباطهم بالأرض ليس مجرد علاقة مكانية، بل هو جزء من هويتهم وكرامتهم. رغم ما يواجهون من المصاعب بعزيمة لا تلين فلا يمكنه اختيار الغربة والإصرار على العودة لأنهم يعلمون أن البقاء على الأرض ـ حتى وسط الدمار ـ هو أبلغ رد على محاولات اجتثاثهم. فالوطن بالنسبة لشعب الجبارين هو الأمل والمقاومة والتاريخ.

وكما ان النكبة لم تنه فلسطين وأنجبت أجيالًا حملت راية المقاومة، فإن أي تهجير جديد سيكون وقودًا لمرحلة أكثر عنادًا وإصرارا وتشبثا بالحقوق بعيدا عن التهجير.

المقررة الأممية لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز؛ التي اكدت انه بدلًا من إنهاء المقاومة الفلسطينية، قد يكون التهجير الشرارة التي تشعل مرحلة جديدة من المواجهة، حيث تصبح المقاومة أكثر انتشارًا وأصعب احتواءً، مما يضع الاحتلال الإسرائيلي أمام تحديات غير مسبوقة واصفة هذه الخطوة “شديدة الخطورة” لاسيما ما يجري من افراغ مخيم جنين شمالي الضفة من السكان، واستنساخ صور نسف المربعات السكنية من قطاع غزة بالضفة الغربية.

البانيز شددت على ضرورة عدم التمييز بين الضفة والقدس الشرقية واصفة “إسرائيل” انها تهاجم الفلسطينيين بصرف النظر عن مكانهم، وتتعامل بشكل استعماري معهم، وتحاول بقيادة مجرم الحرب نتنياهو صاحب مجازر الإبادة بحق الفلسطينيين سلب ارضهم.

وعلى الرغم من تصريحات ترامب ومساعيه للاستيلاء على قطاع غزة وتهجير الفلسطينيين، وتطهير القطاع من أهله الذين يزيد عددهم عن مِليونين وربع المِليون، هو تبن صريحٍ لمشروع نتنياهو أول مسؤول يستقبله في واشنطن، في تحدٍّ سافر للعدالة الدولية، واستهتار بقرار اعلى محكمة جنائية في العالم، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهيرالعرقي في غزّة، فإن في ذلك رسالة منه إلى العالم وإلى العرب خصوصا، إلى ما سوف تكون عليه عهدته الحالية.

الصحفي الاستقصائي الأمريكي بوب وود وارد، في كتابه “الخوف: ترامب في البيت الأبيض”، الصادر عام 2018، يقول ان القوة الحقيقية لترامب هي الخوف فهو يعتمد أسلوب التخويف نهجا واستراتيجية لتحقيق أهدافه. من خلال قرارات مخيفة وإجراءات عدوانية وتهديدات مرعبة لبعث الخوف في خصومه، ودفعهم إلى التنازل والخضوع والرضوخ لطلباته. وما يقوم به اليوم، هو إعادة تجريب استراتيجية الخوف لتخويف الناس وابتزازهم، ومن يصمُد أكثر أمام هذه الاستراتيجية سينتصر عليها في النهاية.

ولهذا بات من الضروري تضافر كافة الجهود للعمل الفوري من قبل الدول وأحرار العالم لرفض وإدانة السياسة الأمريكية الداعية الى تهجير الشعب الفلسطيني ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية وضرب التمثيل الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا وقائد نضاله وكفاحه من أجل الحرية والاستقلال.

وعلى مجلس الأمن الدولي وغيره من المنظمات الأممية والدولية تحمل مسؤولياتها في تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وعقد جلسة طارئة وعاجلة لمجلس الأمن، لوقف العدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين االشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه المشروعة، بما في ذلك حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

أوهام ترامب ونتنياهو بتصفية القضية الفلسطينية سيلاقي رفض شعبنا المطلق ولهذا المخطط الاحتلالي وستتحطم على صخرة الصمود الفلسطيني، الذي لن يسمح لمشاريع التهجير أن تمر، مهما كانت الظروف والذي سيؤدي إلى تفجر الأوضاع بشكل يدفع ثمنه الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى