لبنان العهد الجديد وفلسطين


بقلم: د. أحمد مجدلاني
أغلق لبنان مرحلة تاريخية من الأزمة السياسية التي عطلت ملئ الشغور الرئاسي لأكثر من عامين، بانتخاب رئيس جديد للجمهورية بأغلبية ساحقة من مجلس النواب الذي استمرت فيه المساومات حتى اللحظة الأخيرة من الانتخاب.
وإذا ما كان التوافق الدولي والإقليمي شكل العامل الحاسم في نجاح العملية الانتخابية وذلل العقبات التي كانت تعترض انتخاب رئيس الجمهورية، فإن تراجع محور إيران عن المشهد السياسي في المنطقة ولبنان على وجه الخصوص ربما كان العقبة الرئيس التي حالت منذ الشغور الرئاسي حتى ساعة وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي، التي فتحت الطريق أمام التسويات الدولية والإقليمية، وإعادة ترتيب الاجندات المحلية طبقا لموازين القوى الدولية والإقليمية الجديدة، والاصطفافات التي ترتبت بناء على ذلك من جهة ثانية.
لبنان كان بحاجة لالتقاط الأنفاس، وإعادة الإنعاش، بعد الانقسامات السياسية والمجتمعية الحادة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كان فيها لبنان رهينة للمحور الإيراني، وارتسمت خطوط وفواصل في التركيبة السياسية الداخلية عملت على إيقاع هذا المحور ما بين معطل وميسر إذا تطابقت المصالح والأهداف، ومصعد لدرجة التصادم في أحيان أخرى.
انتخاب الرئيس أدخل لبنان فيما يمكن أن نسميه الجمهورية الثالثة، وهو عهد جديد دشنه الرئيس المنتخب جوزيف عون بخطاب عالي الطموح وبمفردات سياسية غابت عن المشهد واللغة السياسية المتداولة في لبنان منذ عقود.
السيادة، والإصلاح، والإنقاذ هي عناوين البرنامج الرئاسي للمرحلة المقبلة وهي عناوين غابت طويلا، وإن كان يجري الحديث عن تعابير مشابه باللغة إلا أنها لم تحمل ذات المضمون ليس لأننا أمام رئيس جديد قادم من خلفية عسكرية لكن لأننا أمام مرحلة جديدة تغيرت فيها قواعد اللعبة الإقليمية، وتغيرت فيها الأدوار خصوصا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وانحسار دور المحور الإيراني وما سمي بوحدة الساحات وما فرضه هذا المحور والوحدة على لبنان من التزامات ليس بمقدوره تحملها بالظروف الاعتيادية، فكيف وهو يعيش أزمة سياسية وانهيار اقتصادي بعد انهيار البنوك والأزمة المالية التي عصفت بكل مناحي الحياة الاجتماعية التي حولت الطبقة الوسطى في لبنان وهي ميزة لبنان الأساسية عن بلدان المنطقة بأن تهاوت إلى مستويات الطبقات الفقيرة، والأخيرة بدورها أضحت اشد فقرا وبؤسا وخصوصا مع تراجع التحويلات اللبنانية من الخارج .
الحديث عن السيادة وفرض سلطة الدولة والقانون وسلاح واحد، وغياب تعبير شراكة المقاومة في القرار السياسي والعسكري وحصره بيد الدولة، وقيام الجيش بالانتشار في الجنوب تطبيقا للقرار 1701، ومد حصر السلاح واحتكاره بيد المؤسسة الأمنية والعسكرية، والذي ربما بحاجة لتوافق يتصل بالدور السياسي المستقبلي لحزب الله في النظام السياسي اللبناني.
قضية السلاح في لبنان واحتكاره بيد السلطة ستفتح الملف الحساس الذي كان مسكوتا عنه منذ خروج الثورة الفلسطينية من لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
والموقف المبدئي الذي عبر عنه الرئيس محمود عباس رسميا أكثر من مرة وخاصة اثناء زيارته الرسمية للبنان بعهد الرئيس ميشيل سليمان، حول السلاح الفلسطيني وعدم ضرورته، والذي ربط فيه أمن المخيمات بالأمن والاستقرار في لبنان، والمخيمات الفلسطينية لن تكون عامل توتير ولا تصدير للازمات للبنان ودولته وشعبه.
تعهدات الرئيس الأخرى بالإصلاح وخصوصا عزمه عن تدوير وظائف الفئة العليا وعدم حصرها حكما بالتوزيع الطائفي، علاوة على معالجة مشكلة البنوك وأموال المودعين وإعادة الثقة بالنظام المصرفي الذي يشكل القوة الدافعة للاقتصاد اللبناني في سياق إعادة إنعاش الاقتصاد وضخ المساعدات في هياكله المفتتة والمدمرة، بما في ذلك فتح ملف إعادة الإعمار خصوصا بالجنوب باعتباره وصفة لإنقاذ البلاد من حالة الدمار ليس فقط لبنيته التحتية، وإنما لبنيته الاجتماعية والاقتصادية.
لبنان بالعهد الجديد ربما سيكون أكثر تفهما للتطورات الإقليمية وأكثر إدراكا للحاجة للتنسيق مع فلسطين بالخيارات السياسية المقبلة لضمان استقراره وخروجه من ازماته المعقدة.
فلسطين كانت وستبقى عونا للبنان، حريصة على سيادته وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وهواجس البعض التي يطلقها بين حين وآخر عن التوطين في لبنان ليست في قاموس القيادة الفلسطينية ولا المواطنين الفلسطينيين فيه، وجل ما تطمح له القيادة وشعبنا مع العهد الجديد ضمان الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين لأنها لا تعني بأي حال من الأحوال توطينا.
ان ادعاءات البعض نفسه من مصدري مخاوف التوطين حرصا على حق العودة، وهو حق يتمسك به الفلسطيني بكل قوة، أما التضييق على الفلسطينيين ودفعهم للهجرة، فلا يحفظ حقهم في العودة لوطنهم الذي هجروا منه قسرا، وحصولهم على جنسيات بلدان أخرى نتيجة لسياسة التهجير لم يسقط عنهم حق العودة وتمسكهم به.
نضال الشعب