أقلام وآراء

عبوة مياه من بحر يافا

6038_1
بقلم: غصون رحال

لم تكن المسافة بين عمان وجنين شاسعة في اي يوم من الأيام كما كانت في الرحلة الاخيرة.
منذ صار معي هوية “لم شمل” ، قطعت الجسر عشرات المرات ، تجاوزت خلالها شبابيك دولة الاحتلال المخصصة لفحص الهويات دون ضجيج ، اجبت على اسئلتهم الفارغة عن أصلي وفصلي ببلادة ناقة غارقة باجترار العدم،أحمل بعدها حقيبتي واستقلّ الحافلة الى حيث موقف سيارات الاجرة في اريحا على بعد زفرة ودمعتين .
ذاك المساء، رحلتي طالت أكثر مما ينبغي ، ليس بسبب حرارة الطقس التي لم تألفها المنطقة منذ عدد لا يحصى من السنين ، ليس بسبب تزاحم المسافرين او سوء التنظيم، ليس بسبب عطل في الحافلة او فقدان وثائقي ، رحلتي الاخيرة طالت لسبب لم يكن في الحسبان ؛ جواز السفر البريطاني الذي يحمله زوجي!
زوجي الذي لم تطأ قدمه ارض فلسطين في اي يوم من الايام ، الذي طالما تساءل عن ماهية الاحتلال ، عن شكل المستوطنات ، عن حواجز التفتيش ، عن وعورة الطرق الالتفافية ، عن الرصاص الحي وقنابل الغاز، عن سُمك الجدار الفاصل وعن لون ورائحة مياه البحر على الساحل الفلسطيني …
زوجي الذي طالما اغويته بزيارة “البلاد” لاجل معاينة ما تبقى له من مسقط راس والده في يافا ، الذي تعهدت له ان جواز سفره البريطاني سيؤمن له عبورا سريعا وآمنا الى الفردوس المفقود ، الذي وعدته بالسباحة في بحر يافا دون قيود …
على شباك فحص الهويات ، اخبر زوجي المخلوق الجاثم خلف الزجاج انه قادم مع زوجته لقضاء بضعه ايام في قريتها بقضاء جنين ، فجن ذلك المخلوق واحتجز جواز سفره البريطاني وهويتي مطالبا ايانا بالانتظار . مرت الدقائق ثقيلة غامضة ، بعد نصف ساعة من الانتظار المرّ ، جاء من يطلب زوجي الى غرفة التحقيق ، بعد نصف ساعة اخرى جاء من اعاد لي هويتي ونادى على اسم زوجي الذي اخبرته انه تم سحبه الى غرفة التحقيق …
اخرج زوجي من غرفة التحقيق وطُلب منه الانتظار من اجل مراسلة السفارة البريطانية للتحقق من بياناته! بعد ساعة من الانتظار استدعي مرة اخرى للتحقيق بحضور محققة تحمل رتبة أعلى . أعيدت عليه الأسئلة ذاتها مرات بعد مرات في محاولة للعثور على هفوة تعيق عبوره .
خلاصة ما كان يسعى اليه الاحتلال هو الحيلولة بين زوجي الذي تبين لهم انه ” لاجئ ” منذ الولادة وبين البحث عن جذوره الفلسطينية ، وصفعه بتجربة سفر مقيته تمنعه من التفكير ثانية بعبور ذلك الجسر .
تم الإفراج عن زوجي حوالي الساعة الواحدة صباحا، حملنا حقيبتنا، جرحين وصفعة ، واستلقينا الحافلة الى اريحا ومن بعدها الى سيلة الظهر .
في اليوم التالي ، عبرنا حاجز قلنديا الى القدس، وبعدها الى يافا، تفقدنا ما تبقى من ميدان المنشيّة، التقطنا ما تيسّر من صور تذكارية ، ثم توجهنا الى البحر .
لم أتمكن من الوفاء بوعدي له بالسباحة في بحر يافا، فالبحر ليس لي ، انه لهؤلاء الشتات دوني !
اكتفيت بملء عبوة بسعة نصف لتر من مياه بحر يافا، خبأتها في رحل زوجي العائد إلى حيث أبيه في بريطانيا .

زر الذهاب إلى الأعلى