انتخابات لبلدية القدس الشرقية

بقلم عصام بكر
ماذا لو اتخذنا توجها ربما يبدو مستحيلا للوهلة الاولى ان الشعب الفلسطيني وقيادته وبرد عملي محلي واقعي وقابل للتطبيق، وبارادة سياسية رفضا للقرار الاميريكي اعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال وهو القرار الذي وصف ” بغير المفاجيء والمتوقع ” لجميع الاوساط وصناع القرار في بلادنا ، فالقرار وقع وصدر فعلا ولا مجال للتراجع عنه حتى لا نبيع انفسنا اوهاما جديدة، ونعول كثيراعلى امكانية زحزحة ترامب عن قراره بالجهود العادية الرسمية واطلاق الدعوات والتصريحات الرافضة فهو اي القرار جاء ليعكس واقعا جديدا في محاولة لتكريس الضم الاسرائيلي للمدينة، ومحاولات جعلها عاصمة “لاسرائيل”وبعيداعن التوصيفات والمقارنات بوعد بلفور ثاني او غير ذلك يبقى حجر الزاوية في كل الجهد على المستوى العربي والدولي هو الاعتماد اولا على موقف الشعب الفلسطيني وقيادته وقواه ومؤسساته الوطنية الشعبية والاهلية .
الوجه الجديدة او الرد العملي على هذه الخطوة هو بخطوة توازيها حجما ومضمونا وبرأيي المتواضع يتمثل بالمباشرة فورا بتحديد موعد لاجراء انتخابات المجلس البلدي للعاصمة المحتلة رئيس، ومجلس بلدية، والايعاز للجهات المعنية وفي مقدمتها لجنة الانتخابات المركزية بالاعداد والتحضير للعملية الانتخابية تماما كما جرى في المدن الفلسطينية، واسوة بباقي الترتيبات اللوجستية والفنية الكفيلة بانجاح العملية الديمقراطية وفق القانون الذي ينظم هذه المسالة، المقصود هنا انتخابات لكل القدس الشرقية التي احتلت العام 1967 البلدة القديمة والاحياء العربية المجاورة، والبلدات المحيطة وهو باعتقادي يمثل ردا عمليا على الارض من الناحية السياسية، وفي ذات الوقت وسيلة احتجاج مدنية وسلمية تظهر دولة الاحتلال التي لن تسمح بطبيعة الحال باجراء الانتخابات على حقيقتها، ويكشف زيف الديمقراطية التي تتغنى بها وتصفع ايضا ديمقراطية البيت الابيض الذي يساندها، وهي ايضا رسالة تحدي من سكان القدس للاحتلال وهم الذين حافظوا ويحافظون على الهوية العربية للمدينة رغم صنوف القهر والتمييز، وفرض الضرائب الباهضة، ومنع البناء، وتضيق سبل الحياة عليهم في اطار المسعى لترحيلهم، واجبارهم على مغادرة المدينة – فمن سياسات التهجير القسري المتبعة في البلدة القديمة وصولا لجبل البابا، ومرورا بالعيسوية وابو ديس والعيزرية والمناطق المحيطة كلها والمرشحة للمزيد من التصاعد بعد قرار حكومة الاحتلال بناء 14 الف وحدة جديدة في القدس بعد قرار ترامب، ناهيك على الاقتحامات اليومية للمسجد الاقصى، واستهداف المقدسات الاسلامية والمسيحية فيها ، ويمكن ان نضيف تصدر المقدسيين للواجه بقوة خصوصا بعد الهبة الاخيرة رفضا للكاميرات والبوابات على مداخل الاقصى المبارك وفي ساحاته، والحالة التي تشكلت خلال الهبة التي اعادت لابناء القدس بكل الانتماءات والاطياف جدارة المشهد وللشخصية المقدسية رونقها، وزهوها فلم تكن هبة القدس للبوابات فقط ، وانما مثلت رسالة سياسية هامة لرفض سياسات “الاسرلة والتهويد ” ومحاولات تذويب هويتهم الوطنية، وسلخهم عن الامتداد الطبيعي مع شعبهم ، ومن شأن عملية الانتخابات ان توصل تلك الصورة امتداد لهبة القدس ، الجمهور المقدسي يدرك انه سيتضرر كثيرا بسبب اقدامه على الذهاب للانتخابات، وهو يحارب ويتعرض لحملات انتقامية واضحة في اقتصاده وملاحقة مؤسساته وحتى لقمة عيشه، لكنه بهذه الخطوة يرسل رسالة مدوية للعالم من القدس ببطلان الاجراءات الاحتلالية فيها، وبانها مدينة محتلة ضمن مدن الضفة الغربية المحتلة ايضا في ذات الوقت يؤكد على حقه المشروع بانتخاب مجلس بلدي يمثله، وهناك على الارض يوميا مئات الشواهد التي تعكس حجم المعاناة، والتميز ضد السكان المقدسين من هدم البيوت، ومصادرة الاراضي، وسحب الهويات ….. الخ ، وهو بكل الاحوال لا يعامل ” كمواطن” وبالتالي من حقه المطالبة بالحصول على الخدمات الحياتية من صحة، وتعليم، ومياه وغيرها وقبل ذلك من حقه العيش بكرامة فهو صاحب الارض المنغرس فيها رغم كل هذه السياسات.
المسألة تحتاج لقرار جريء وواضح ورفع درجة التحدي باصدار مرسوم رئاسي بتحديد اجراء الانتخابات لبلدية العاصمة ، وتوكل للجنة الانتخابات المركزية تحديد الفترة الزمنية من قوائم الناخبين، والمناطق التي ستجرى الانتخابات فيها وتشمل كل القدس الشرقية، ربما يتم اعتقال اللجنة، وربما يتم اقتحام مراكز التسجيل ولا يسمح بفتحها اصلا ، وربما تشن اسرائيل حربا ضد كل من يشارك او حتى في النقاش هذا صحيح – ولكن ايضا مسألة الانتخابات ستفتح معركة شاملة على مكانة القدس القانونية باعتبارها نموذجا لسياسات التميز العنصري، وابشع حملات القمع اليومي الممنهج ، ستكون المعركة امام العالم اجمع الذي ادان عبر مجلس الامن قرار ترامب ورفضه ويمكن لترامب نفسه ان يرى ان كان يريد ان يرى حقيقة ما اعلن في صورة قاتمة لوعده الاسود ، وان القدس هي عربية ليس بالانشاء والعواطف، وانما ايضا على الارض ان القدس عاصمة لدولة فلسطين، ومن جهة اخرى على المستوى القانوني من شأن الرسالة ان تصل ان اهل القدس ليسوا رعايا لدولة اخرى، وانما هم اصحاب الارض وبأيدهم يتقرر مستقبل المدينة وليس من البيت الابيض .
المسألة تحتاج لقرار من الجميع على المستوى القيادي والمؤسسي الفلسطيني وضمن ايلاء القدس الاهتمام والرعاية التي تستحق ومن الاعتراف ان شاء البعض ايضا اننا جميعا قد قصرنا في خدمة القدس، وان نعمل بشكل مغاير عن السابق بمعنى ادق اقترح ان تعلن الحكومة حكومة الوفاق عن القدس منطقة تطوير من الدرجة الاولى سواء على صعيد تعزيز صمود المقدسيين في ارضهم وبيوتهم ، او بدعم المشاريع العمرانية والاقتصادية، والبنية التحتية فيها، ومد المدينة بكل مقومات البقاء لمواجهة اجراءات الاحتلال فيها، والعمل من الان بطريقة مختلفة على المستوى السياسي والوطني ايضا باعادة بناء المرجعيات الوطنية والسياسية للقدس وتوحيدها، وتفعيل المؤسسات الاهلية الخدماتية والتنموية والثقافية وتوفير الدعم اللازم لها للقيام بعملها .
ثم يتم التوجه للعالم وهذا ايضا احد المحاور الهامة ضمن خطة واضحة المعالم التوجه للمجتمع الدولي بان يكون شاهدا على الانتخابات في القدس، بما فيها الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر الذي اشرف على الانتخابات السابقة، وعدد اخر من رؤساء دول سابقين وقضاة وحقوقيين، ومؤسسات حقوق انسان، وهيئات دولية بما فيها لجان الامم المتحدة ذات العلاقة بان يأتوا لبلادنا لكي يروا بأم اعينهم ما يجري، ويتولوا مراقبة التحضير للانتخابات وسير العملية الانتخابية ومجرياتها، وان يصدروا تقريرا حول ما جرى ونشره امام العالم للصورة بكل تجلياتها، وحقيقة الوضع المعاش في القدس كعاصمة محتلة وسائر الاراضي الفلسطينية المحتلة لاجراءات لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر منذ اكثر من قرن من الزمن .
الجهود والتحركات السياسية ومواقف الدول على اهميتها لن تفي بالغرض، وانما اسقاط قرار ترامب يأتي على الارض ، الحراك الدبلوماسي مهم مع الجهد السياسي على الصعيد الدولي، وينبغي ان يتواصل ويتكثف بلغة جدية هدفها انهاء الاحتلال ، وتكامل الجهد مع العامل الشعبي والهبة الشعبية المتصاعدة وامكانية تحويلها لانتفاضة شعبية حقيقية في الاراضي الفلسطينية بعد ان جرى استنفاذ اي امكانية للافق السياسي، وفي هذا الاطار ايضا ربما المطلوب احتضان الهبة الشعبية وتطويرها، والناس التي خرجت للشارع رفضا لهذا القرار الاميركي الجائر تنتظر موقفا اكثر قوة وصلابة في مواجهة السياسات الاميركية التي تريد ترتيب المنطقة على حساب شعبنا وحقوقنا المكفولة بقوة الشرعية الدولية، ولا يجب رد الجماهير الشعبية الفلسطينية والعربية خائبة بقرارات دون المستوى المطلوب، وانما تقوية اقدامها اكثر بقرارات ليس اخرها تطبيق قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير في دورة اذار 2015 ، والذهاب لحكومة وحدة وطنية فورا، واعلان انتهاء دور الولايات المتحدة كراعي لاي تسوية، وتغير قواعد العلاقة باحالة القضية كقضية تحر وطني للامم المتحدة لتطبيق قراراتها بانهاء الاحتلال عن اراضي دولة فلسطين وعاصمتها القدس، استراتيجية وطنية جديدة تطرح على الاجتماع المقرر قريبا للمجلس المركزي، ويتم اقرار منهجية مغايرة تقوم على اطلاق العنان للمقاومة الشعبية رفضا للاحتلال، وبناء جبهة موحدة للمقاومة الشعبية ، وبالعودة لروح الانتفاضة الاولى التي تصادف ذكراها ال 30هذه الايام نستلهم منها وتشكل مسار عملنا ووعينا للمرحلة المقبلة، وهذا ينسجم مع روح التحدي التي ترسمها الانتخابات لبلدية القدس المحتلة باعتبارها ساحة اخرى للنضال والمواجهة مع الاحتلال .
اذا ما اعلن عن اجراء الانتخابات للقدس وفق تصور وطني وشعبي وفي سياق الاعداد لمرحلة مختلفة بمشاركة المؤسسات المقدسية وتم وضع تصور وفق خطة محددة بمشاركة الكل المقدسي للمطلوب؟ وكيف يمكن الوصول اليه وانجازه ؟ اعتقد باننا نكون على مشارف مرحلة مختلفة كليا عن السابق وتصبح عملية الانتخابات بحد ذاتها هي الغاء من جانب شعبنا على الارض لقرار ترامب، وتحدي لبلدية نير بركات الاحتلالية ، وعندها نفشل الرهان على اسقاط القدس من اي تسوية مستقبلية، لان التسوية عندها تكون من القدس، وبالقدس تبدأ وهي المعيار لاي توجه دولي حقيقي للاعتراف بدولة فلسطين المستقلة ولا يوجد في العالم دولة دون عاصمة !! والقدس هي العاصمة السياسية لدولة فلسطين .
10 /12 /2017