معادلة حماس والشعب الفلسطيني بقطاع بغزة


بقلم: د. أحمد مجدلاني
سلمت حركة حماس أخيراً ردها المشروط على مقترحات مبعوث الرئيس الأمريكي ويتكوف بعد سلسلة طويلة من التجاذبات الداخلية، والمماطلة والتسويف، لعلها في الوقت الضائع تحسن من بعض الشروط التي توفر لها بعض الضمانات الأمنية ودوراً سياسياً لاحقاً في الترتيبات المتعلقة بشأن مستقبل قطاع غزة.
الرد المتأخر والمكلف على حساب الشعب الفلسطيني من مقدراته البشرية والمادية، والممتد طيلة هذه الأشهر على ذات المقترح منذ الرابع من آذار الماضي، وبشروط وسقف أفضل مما هو عليه الآن، والذي اضطرت حماس إلى تجرعه، بعد انسداد السبل أمام الوسطاء الذين باتوا أمام صفقة لا تقبل سوى القبول أو الرفض، وتعرف حماس ماذا يعني الرفض وكلفته، وإن كان الشطر الأعظم منه على حساب الشعب، لكن الشطر الآخر بات يهدد وجودها ليس فقط المادي استهدافاً من جانب الاحتلال الإسرائيلي وإنما أيضاً وجودها المعنوي من خلال الحراكات المجتمعية في قطاع غزة الرافضة للحرب ولاستمرار وجودها وتحكمها بما تبقى من سلطة بقطاع غزة، فضلاً عن مواقف القوى السياسية الفلسطينية وأقرب حلفائها الذين يقرؤون الواقع بعيون وعقول مختلفة عما عليه عقول وعيون حركة حماس، التي تدرك من جهة أخرى ماذا يعني القبول بالمقترح وارتداداته على مواقف أطرافها وأجنحتها بعلاقاتها الإقليمية وامتداداتها الإخوانية.
فعلت القوى الوطنية ما يتوجب عليها فعله انطلاقاً من مسؤولياتها تجاه شعبنا الفلسطيني، وتفاعلت بكل الجدية المطلوبة ولم توفر لحماس سلم النزول عن الشجرة، بل شبكة الأمان الوطنية لقبول المقترح رغم الإجحاف الكبير الذي ينطوي عليه، لكن المعادلة الصعبة لدى هذه القوى بالقبول باتفاق مجحف، أفضل من استمرار المقتلة بالقذائف والصواريخ والموت جوعاً وقهراً وذلاً.
هي معادلة صعبة بدون شك وحماس مضطرة ومجبرة على قبولها، بعد أن غلبت طيلة فترة المفاوضات التي كانت تديرها بنفسها ولنفسها والممتدة على مدى أكثر من عام وفق معادلتها الصفرية مصالحها الأمنية وضمان دور لاحق لها في صفقة أمريكية إقليمية مع إسرائيل، لكن رد حركة حماس الملحق به بما سمّي بإطار عمل للتفاوض على اتفاق لوقف إطلاق النار كمن يضع العصي بعجلات عربته التي لم تنطلق بعد ويعيدنا إلى مربع تصعيد جديد أكثر عنفاً وضراوة والتفاوض والإجبار للقبول تحت النيران، في حين أن فرص اللعب على عامل الوقت وتغيير المعادلة المتفق عليها أمريكياً مع نتنياهو غير ممكنة نظراً لموازيين القوى على الأرض وللدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل.
نتنياهو أعطى موافقته على الصفقة وبدأ حملته السياسية لتسويق نفسه القابل بعرض وقف إطلاق النار الذي ترفضه حماس وتضع الشروط عليه، وكما هي العادة يراهن نتنياهو على رفض حماس لكسب الجولة السياسية للانطلاق منها لفرض وقائع مادية جديدة.
كان ينبغي على حركة حماس في ضوء الغطاء السياسي الوطني قبول الصفقة بدون أية اشتراطات يمكن تأجيل بحثها بعد وقف إطلاق النار الذي يشكل نقطة الانطلاق لبدء الترتيبات مع الأشقاء العرب في جمهورية مصر العربية ودولة قطر والوسيط الأمريكي لوضع الآليات التي تكفل تطبيق المقترح -الصفقة انطلاقاً من وقف إطلاق النار وصولاً لكافة الترتيبات الأخرى وأهمها إيصال المساعدات الإغاثية وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي واليوم التالي وغير ذلك.
الدرس الهام والذي ينبغي على حركة حماس استخلاصه من هذه التجربة المريرة والمكلفة للغاية، أن الاستمرار بهذه المسيرة قاد إلى طريق مسدود ولا أفق له، وكل المحاولات لإعادة عجلة التاريخ إلى ما قبل السابع من أكتوبر لم تفلح في إعادة إنتاج التوافق الإقليمي والدولي والإسرائيلي على ما كان عليه من دور لحركة حماس في قطاع غزة، والخيار الوحيد أمامها لحماية نفسها ودورها المستقبلي كمكون من المكونات المجتمعية والسياسية للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، إطلاق عملية مراجعة سياسية نقدية، ونقطة البدء فيها الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني والالتزام ببرنامجها السياسي والتزاماتها السياسية والقانونية، وفي مقدمة ذلك الالتزام بالشرعية الدولية باعتبار أن المنظمة عضواً بالأمم المتحدة وتحظى باعتراف 149 دولة وهي قابلة للزيادة منتصف الشهر المقبل بعقد المؤتمر الدولي للسلام برعاية سعودية فرنسية، في الأمم المتحدة.
هذه المراجعة المطلوبة من حركة حماس تشمل كذلك هدفنا السياسي المتمثل بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بما في ذلك تحديد أشكال وأساليب النضال انطلاقاً من الظرف الملموس بالمقاومة الشعبية السلمية بكافة أشكالها.
إن نقطة الانطلاق من جدية هذه المراجعة لدى قيادة حركة حماس، وباعتبار أن هذا الاتفاق هو هدنة مؤقتة لمدة 60 يوماً، أن تسلم حماس ملف المفاوضات إلى منظمة التحرير باعتبارها صاحبة الولاية القانونية والسياسية على الأرض الفلسطينية، والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
فترة الهدنة المؤقتة إذا ما تم التوصل لها بإدارة منظمة التحرير لملف المفاوضات يمكن القيادة الفلسطينية من موقع مسؤولياتها واعتراف العالم بها، من تثمير المناخ الدولي الإيجابي والمناهض للحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل من التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الحرب، والبدء بإجراءات لضمان الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من قطاع غزة، وعودة السلطة الشرعية عبر حكومتها لقطاع غزة، مرحلياً باللجنة المتفق عليها برئاسة نائب رئيس الحكومة بدعم عربي ودولي لتمكينها من بسط السيطرة الأمنية وتنفيذ برامج التعافي المبكر تمهيداً للبدء بإعادة الإعمار، وصولاً للولاية الشاملة للحكومة الشرعية على قطاع غزة وممارسة مهامها ومسؤولياتها كما هو الحال بالضفة الغربية.
نضال الشعب