البصر والبصيرة
د. حسن مدن
“العين الكسولة”، حسب الأطباء، هي تلك التي أصبحت ضعيفة النظر لأنه لم يتم تصحيح أحد عيوب الانكسار فيها في سني الطفولة المبكرة، وبإمكان طبيب العيون أن يضع برنامجًا لمعالجة العيوب، إذا ما تمَّ ذلك في سن مبكرة، وإلا فإن العين تبقى كسولة مدى الحياة.
لكن هل العين التي تعاني من عيوب الانكسار كقصر النظر أو الانحراف وحدها ما يمكن وصفه بـ “الكسولة”؟ ألا يحدث لعينٍ لا تعاني من أية عيوب أن تكون كسولة، فيما عيون أخرى تعاني فعلًا من عيوب خِلقية أن تكون نشطة في الرؤية، حين نقرن البصر بالبصيرة، حين تكون لا وسيلة نظر فحسب، وإنما وسيلة متعة وتعبير عاطفي أو وجداني وتبصر متأنٍ.
أحد الكتّاب قال مرةَ إنه لا بد للعين من مسافة تفصلها عن موضوع رؤيتها، فإذا “التصق” الموضوع بالعين فإنها لن تتمكن من رؤيته.
العين، برأيه، هي حاسة المسافة والابتعاد والانفصال، لذا لا عجب أن تقترن الرؤية بالانعكاس والتفكير، والبصر بالبصيرة، والنظرة بالنظر، والعين بالعقل.
لكن “العين الكسولة” هي تلك التي لا يستوفي أصحابها شروط الاستخدام الكامل لمتعة البصر وقابليته في المشاهدة والمقارنة والتحليل والاستنتاج، يحدث ذلك لأن العين، لما لها من قدرة على قلب ذاتي على شبكيتها، كما يقول العالمون، قادرة على منح الإنسان الرؤية البانورامية للأشياء، ليعدد ويقارن ويفحص ويختار.
العين السليمة، من منظور البصيرة لا البصر وحده، هي التي تتيح لصاحبها كل تلك المهارات، أما “العين الكسولة” فهي أحادية الجانب، عين المشهد الواحد والرأي الواحد.
يجري الحديث أحيانًا عن لغة العيون، وهو فيما نرى حديث في مكانه.
بعض العيون تبدو محايدة النظرات أو بليدة التعبيرات، ولكن هناك عيون تشع بالمعاني، عيون ناطقة.
مجرد النظر فيها يكشف ما إذا كان صاحبها في لحظة النظر تلك حزينًا أو فرحًا، ممتعضًا أو راضيًا.
يوصف البعض بأنهم ضاحكو العيون.
أجمل العيون هي تلك التي تضحك، وبالمناسبة فإنها جميلة أيضًا عندما تبكي.
ثمة من يشكك في ما يوصف بـ “الحب من أول نظرة”، لأنه يعطل الحواس الأخرى لصالح حاسة النظر وحدها التي قد تنخطف بشخص ما، والنظرة الأولى كثيرًا ما تكون خادعة، ربما لأنها تنصرف نحو الشكل ولا تخترق الجوهر الذي لا يمكن معرفته إلا بعد شيء من الألفة، يقصر أو يطول، وكلما ازداد نضج الإنسان، رجلًا أو امرأة، تضاءلت عنده مساحة الانطباع الأولي السريع لصالح البحث في العمق، في مكنون النفس الأخرى، الذي يلزمه جهدًا ووقتًا لمعرفته.