بين خطاب ترامب وتظاهرات أمريكا


بقلم: عائدة عم علي
في مشهدٍ سياسي هزيل ومنفصل عن الواقع، وقف الرامبو الأمريكي دونالد ترامب يخاطب الأميركيين فيما سُمّي “خطاب الأمة”، لكنه بدا أقرب إلى حوارٍ مع الذات، حيث تتضخّم الصورة الشخصية حتى تتحوّل إلى مركز الخطاب ومرجعيته الوحيدة، فيما الحقيقة هي الغائب في الخطاب، فالرئيس الأمريكي الذي يُقدّم نفسه “ملكاً” أو “مخلّصاً”، يواجه اليوم بشعارٍ بسيط وعميق في آن: “لا ملوك”. لم يعد هذا الشعار مجرد هتافٍ في الشوارع، بل تحوّل إلى عنوان عريض لموقفٍ جماعي أميركي عالمي، يرفض التسلط والهيمنة، ويدعو إلى إعادة التوازن والاحتكام الى القانون الدولي، بما يضمن عالماً أكثر عدالة.
ما جاء في ذلك الخطاب لم يقدّم بوصفه رؤية سياسية، بل ادّعاءات متراكمة: انتصارات مُعلنة، هيمنة مُفترضة، وقوة لا تحتاج إلى برهان سوى تكرارها. “نحن الأقوى، نحن الأغنى، دمّرنا وسحقنا…” عبارات تتتابع لفرض اوهامه كحقيقة بالقوة اللفظية، لا بالحجة أو المعطى. وفي المحصلة، بدا المشهد أقرب إلى عرضٍ لغويّ مُفرغ من مضمونه، حيث تتراجع السياسة لصالح خطاب دعائي متضخم لا يعرف حدّاً بين الإقناع والتضليل.
ما شهدته الولايات المتحدة الأميركية من الاحتجاجات الملايين عبر آلاف المظاهرات التي تندّد بسياسات الرئيس دونالد ترامب، وبحروبه المفتوحة التي تنتهك سيادة الدول، وتستبيح دماء الأبرياء، وتهدّد الأمن والسلم الدوليين لم يكن حدثا عابرا , فهذا المشهد، بكلّ أبعاده، يتجاوز كونه احتجاجاً داخلياً، ليعكس قلقاً عميقاً من تداعيات هذه السياسات على استقرار الولايات المتحدة نفسها وسلامة شعبها.
ما حدث من احتجاجات هو أقرب إلى صحوة شعبية، لا في أميركا وحدها، بل في الغرب عموماً. صحوة تكشف عن تنامٍ متسارع لصوتٍ رافض لسياسات الغطرسة، وساعٍ إلى القطع معها، والانحياز بدلاً من ذلك إلى الشعوب التي تعاني الاحتلال والعدوان.
آلاف المظاهرات التي شهدتها ولايات أميركية عدة، وامتدت إلى دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وهولندا وبريطانيا والسويد وألمانيا، تلتقي جميعها عند هدف واحد: رفض الانسياق وراء مغامرات عسكرية لا تخدم المصالح الحقيقية للشعوب، بل تغذّي صراعات تزيد من معاناة المدنيين، وتعمّق الأزمات الإنسانية، خصوصاً في ظلّ استمرار الانتهاكات الجسيمة التي تطال الأبرياء، وفي مقدمتهم الأطفال والصحافيون والمسعفون.
ولعلّ أبرز ما يكشفه هذا المشهد، أنه لم يعد مجرد موجة تضامن عابرة، بل تعبير واضح عن تحوّل في وعي الرأي العام العالمي. وعيٌ بات أكثر حساسية تجاه القضايا الإنسانية، وأكثر استعداداً للخروج إلى الفضاء العام والتعبير عن موقفه بجرأة.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، فهو نتاج تراكم تجارب وأزمات شهدتها مناطق عديدة من العالم، لا سيما في العالم العربي، حيث تداخلت الصراعات السياسية والاجتماعية، وبلغت ذروتها في مشاهد حرب يندى لها جبين الإنسانية.
خطاب ترامب لم يكن صعباً ملاحظة أنه لا يفتح باباً جديداً، بل يعيد فتح الأرشيف نفسه من الشعارات التي تتردّد في الإعلام ومنصّات التواصل، خصوصاً عبر “تروث سوشيال”، وكأنّ المنبر الرسمي تحوّل إلى مُكبّر صوت لخطاب سابق يُعاد إنتاجه بنبرة أعلى لا أكثر. هذا الشعور لم يكن معزولاً، إذ وصفت محللة سياسية عبر بي بي سي التجربة بأنها استنزفت وقتها دون أن تخرج بفكرة واحدة قابلة للتوقف عندها، معتبرة أنّ ما قُدّم مزيج مرتبك من التناقضات أكثر منه خطاباً سياسياً متماسكاً.
الارتباك لم يتوقف عند حدود التحليل الإعلامي، بل امتدّ إلى داخل المشهد السياسي الأميركي نفسه. السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن قرأ الخطاب بوصفه استمراراً لنمط من التضليل السياسي، حيث تُعلن النتائج قبل تحققها، ويُقدَّم “النصر” كحقيقة منفصلة عن الوقائع. وذهب في نقده إلى التشكيك في جدوى السياسات المطروحة أصلاً، محذراً من فجوة تتسع بين خطابٍ يعلن الإنجاز وواقعٍ لا يعكسه.
وفي الاتجاه نفسه، قدّم السيناتور كريس مورفي توصيفاً أكثر حدّة، معتبراً أنّ ما جرى يتجاوز حدود النقد السياسي إلى ما يشبه القلق البنيوي، إذ إنّ رئيساً بهذا القدر من الانفصال عن الواقع، وفق تعبيره، لا يطرح أزمة خطاب فحسب بل أزمة إدراك. وأضاف أنّ ما سُمع لم يكن سوى كلام مضطرب، يفتقر إلى أيّ بنية استراتيجية، ويعكس حالة من التخبّط العميق أكثر مما يعكس سياسة دولة.
وهذا يأتي بالتزامن من زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ شاك شومر، فقد صاغ اعتراضه بلغة لا تخلو من السخرية، متسائلاً إنْ كان قد سبق في التاريخ أن قُدّم خطاب “حربي” بهذا القدر من التفكك والاضطراب. وفي خلفية سؤاله كانت إدانة غير مباشرة لانهيار الاتساق في الخطاب السياسي، إذ أشار إلى غياب أيّ تحديد واضح للأهداف، وإلى تجاهلٍ لاحتياجات الداخل الأميركي، ما يجعل الخطاب أقرب إلى رد فعل منه إلى رؤية.
وهكذا، خرج الخطاب من كونه “رسالة إلى الأمة” ليُضاف إلى سجلّ الخطابات التي تُثير الجدل أكثر مما تُنتج معنى، تاركاً السؤال مفتوحاً: هل كان هناك فعلاً خطاب… أم مجرد صدى لصوتٍ يحدّث نفسه؟
لا شك أن نظام القطبية الأحادية الذي يظهر في المؤامرات واستنزاف قدرات الدول الصديقة قد ولّى الى غير رجعة بعد اخفاق الأمريكي من تحقيق السمسرة بأسلوب التهديد والوعيد. فالعقوبات الأمريكية المتجددة لا يمكنها ليّ ذراع إيران بعد أن أظهرت قدرات هائلة في فرض توازن في مواجهة واشنطن عنوانه اجهاض الهيمنة الأمريكية وغطرسة ترامب الجانح الى سياسات الابتزاز وتهديده بالحروب.
إنّ شعوب العالم العربي والمنطقة عليها أن تحول المعاناة إلى فرصة، واستعادة زمام المبادرة، من خلال النزول إلى الشارع وجعله منبراً وصوتاً في مواجهة الظلم والعدوان والاحتلال، والانتصار للقضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان، وكلّ الشعوب التي لا تزال تدفع ثمن العدوان والدمار.