محليات

محكمة لاهاي تستمع إلى ضحايا رصاص الاحتلال في الضفة.. وتصمت !

pal-suffar

القدس المحتلة – امال شحادة:

خرج والد أمير بدران من المستشفى دون أن يصدّق أن حياة ابنه الذي نجا من الموت من رصاص الجيش الإسرائيلي، في شهر حزيران (يونيو) الأخير، ما زالت مهددة، بعد أن كشفت الفحوصات التي أجراها في أعقاب آلام غير محتملة في رأسه وجسده، أن شظايا مفتتة في رأسه وأخرى الى جانب القلب. وأمير بدران، فلسطيني كان ضحية للجريمة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق مجموعة من الشبان وقتل فيها ابن خاله محمود. ملف هذه القضية، هو واحد من الملفات التي سعت إسرائيل الى حرف انتباه الرأي العام العالمي عن تفاصيلها في محاولة للتستر على جرائم جنودها، لكن الإصرار على متابعة القضية وإجراء التحقيق فيها، أظهر أن محمود قتل، بل أعدم، كما يصرّ الفلسطينيون على وصف جرائم القتل هذه، بدم بارد ومن دون ذنب ارتكبه سوى أنه فلسطيني.

عندما حصل والد أمير على هذه النتيجة، الأسبوع الماضي، خرج من المستشفى غاضباً ومصراً على إثارة القضية من جديد، ومحاكمة الجنود الذين اقترفوا هذه الجريمة، الى جانب المطالبة بالسماح لابنه باستمرار العلاج في مستشفى في القدس، بعد أن منعته إسرائيل من ذلك. وفي اليوم ذاته، كان وفد الادعاء التابع للمحكمة الجنائية في لاهاي، قد وصل الى الأراضي الفلسطينية بعد زيارة إسرائيل، وكان ملف أمير وجريمة إعدام محمود، من عشرات القضايا التي عرضتها رئيسة الوحدة القانونية في منظمة التحرير، المحامية نائلة عطية أمام الوفد، لتشكل لائحة اتهام ضد القيادات الإسرائيلية والجيش.

عطية: جرائم الإعدام مدعومة بأدلة

وفد اللجنة الدولية، غادر الإثنين الأراضي الفلسطينية بعد أن أنهى مهمته في إسرائيل ومع السلطة الفلسطينية. الوفد، الذي يمثل مكتب المدعية فاتو بنسودا، وصل على خلفية الفحص الذي تجريه اللجنة في الشكاوى الفلسطينية ضد إسرائيل في شأن عملية الجرف الصامد والبناء في المستوطنات.

لكن البيان الذي صدر عن مكتب المدعية في لاهاي قال أن المهمة لن تكون جمع أدلة مباشرة أو جمع إفادات عن الموضوع، وأن الوفد لن ينشغل في فحص الجهاز القضائي الإسرائيلي بل يهدف الى زيادة الفهم في إسرائيل والسلطة الفلسطينية لدور المحكمة ومكتب المدعية العامة. ووفق البيان، فإن «الهدف هو القيام بنشاط إعلامي وتثقيفي حول عمل مكتب المدعية، وتوضيح المفاهيم الخاطئة في شأن محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وشرح معنى الفحص المبكر الذي يجرى حالياً».

لكنْ ما جاء مثيراً للاستغراب في بيان اللجنة هو المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووضع الضحية والجلاد في مكان واحد، دون ذكر أن الحديث عن شعب محتل واحتلال ينفذ جرائم إعدام وقتل واستبداد يومياً، تقول المحامية نائلة عطية

قبل وصول الوفد الى رام الله، كان قد قضى أياماً في إسرائيل، وخلافاً لزيارات مثيلة للجنة كهذه أو لجان ووفود لها أهمية دولية، فرضت إسرائيل تعتيماً على نشاطها وما قامت به وإذا ما كانت بالفعل تمكنت من الإطلاع، على الأقل، على القضايا الرئيسة التي تساعدها في تحقيق مهامها، وعلم أن الإسرائيليين لم يسمحوا لأعضاء الوفد بالإطلاع على أية تفاصيل أو جانب له علاقة بما ينفذه الجيش من جرائم في الضفة الغربية وغزة.

لكن ما عرض أمام الوفد في رام الله، من حقائق ومعطيات حول جرائم ارتكبت بحق الفلسطينيين ألزم اللجنة على تغيير توجهها في معالجة القضايا المطروحة.

«240 جريمة إعدام في سنة واحدة ومزودة بكل ما هو مطلوب من أدلة دامغة وصور وفيديوات تثبت أن هؤلاء الفلسطينيين أعدموا بدم بارد»، قالت المحامية نائلة عطية في أثناء استعراضها الوضع أمام الوفد الدول

وأضافت: «كما تعلمون فإن الإعدام في جميع حالاته، هو أسوأ الجرائم ضد الإنسان، وذروة العقوبة القاسية، وهو انتهاك لأهم حقوق الإنسان، الحق في الحياة، وسلب أغلى ما يملك بأبشع الطرق: حياته. فكيف حين يُنفذ هذا الجرم في إنسان لم يُجرم والمجرم لا يعاقب بل يعيش طليقاً حراً؟

وتطرقت عطية الى ممارسات وأساليب تعامل الجيش في الضفة حيث يصبح كل فلسطيني عديم الحماية ومحروماً من الأمان، نتيجة العراقيل الإسرائيلية، التي تمنع تدخل طواقم الإسعاف، لإغاثة الجرحى أو الشهداء. وقالت أمام الوفد: «لقد نُفذت بأبناء الشعب الفلسطيني إعدامات ميدانية دون محاكمة ولا مراقبة ولا حتى تحقيق جدي، والأخطر من ذلك منع طواقم الإسعاف أو الأمن الفلسطيني أو الأقارب من الاقتراب من الضحية ومساعدتها بل كانوا يبعدونهم لمسافات عن موقع الجريمة، في الوقت الذي يتجول فيه المستوطنون حول الضحية الملقاة على الأرض، بحرية مطلقة الى حد التقاط صور لهم الى جانبها».

في هذا الجانب، طلب الوفد إعطاء ملف هديل الهشلمون، عبر وزارة الخارجية الفلسطينية، وهكذا تكون الخطوة الأولى في تغيير أهداف هذه الزيارة. ملف الشابة هديل الهشلمون، التي تبلغ من العمر 18 عاماً، والتي بقيت ملقاة على الأرض ساعات من دون تقديم أية مساعدة لها، فيما المستوطنون يحيطونها ويظهرون فرحين ويلتقطون لها الصور. والى جانب مشاهد الصور، أرفق في ملف هديل التقرير الصادر بعد تشريح جثتها ويبين أنها تعرضت لعشر رصاصات من نوع دمدم المحرم دولياً. ووفق تشريح جثتها، فقد تفتت بعض الرصاصات الى قطع صغيرة دون أن تخرج من جسدها. خمس رصاصات اخترقت منطقة الصدر، وأكثر من رصاصة اخترقت الخصر الأيمن وقد بقيت هذه الرصاصات في جسدها من دون ظهور أي مخرج لها. «هديل والمئات معها حرموا الحياة لأنهم فلسطينيون»، قالت عطية للجنة الدولية وأدرجت قائمة طويلة من أسماء الفلسطينيين ضحايا جرائم الإعدام وفيها شابات وفتية وأطفال ومسنون. و

«معظم من فقدوا حياتهم كانوا ضحايا للرصاص المحرم دولياً… يرد في محكمتكم تحت الباب الثامن البند 19 منع استخدام الرصاص الذي يتمدد ويتفتت بسهولة في الجسم البشري وهنا أمامكم نرفع هذه الصرخة والملفات تؤكد فظاعة الجريمة إذ ان أكثر من 90 في المئة منهم لم يشكلوا أي خطر على الجنود. والأخطر أن هناك أيضاً من يقرر في الجيش بأنه ميت وبعد ساعات يتضح بأنه ما زال حياً! وأدرجت أسماء مثل: شادي عرفة وامير عصام وداود مهدية وغيرهم. وبينما دعت الوفد الى زيارة الحواجز في الخليل والنبي صموئيل ومسار الجدار في الرام، أكدت ان ما يطرح عن الضفة هو جانب أيضاً من معاناة الشعب الفلسطيني في غزة حيث جرائم القتل والاضطهاد والتمييز.

استمع الوفد الى تضييق الخناق الإسرائيلي على المحامين أيضاً. وقالت عطية: «نحن المحامين نتابع الجرائم مع الشرطة المحققة والشرطة العسكرية المحققة ووصلنا لشبه طريق مسدود، كما حصل مع مؤسسة «بتسليم» حول «التحقيق» الذي يجرى في مختلف القضايا، والتي قررت عدم متابعة الشكاوى لعقم الإجراء، رغم الادعاء ان الإجراءات تطورت وأنهم يحققون ويفحصون الشكاوى، بناء على ما جاء في توصيات تقرير القاضي تيركل حول تحسن الأداء، لكن عطية ترى انه فعلياً لم يتغير شيء و «كل ما حصل ذر رماد في العيون».

لفّ بكيس أسود وهو حي

صحيح أن المعاناة التي يعيشها اليوم الفتى امير وعائلته، بعدما اتضح وجود شظايا في رأسه وبالقرب من قلبه، لا توصف، ولكن ما مر به امير منذ إطلاق النار عليه وحتى نقله الى المستشفى يشكل كابوساً لا يفارق أحداً من العائلة. فبعد أن حسم الجيش أن صديقه محمود توفي، بعد إطلاق النار عليه، وضعوه داخل كيس أسود مخصص للموتى ثم جاء دور امير، ويبدو أن الإهمال الذي رافق إسعافه منذ لحظة محاولة قتله تواصل، حيث قرر الجيش أنه توفي فوضعه داخل كيس، ولكنّ حركة صغيرة له وصوتاً ينادي وهو يتألم، لفتا نظر الجنود فأخرجوه ونقلوه الى مستشفى هداسا للعلاج.

هذه لحظات من تعامل الجيش مع امير ومحمود وجريمة القتل التي نفذت من دون ذنب، وهو واحد من أبرز الملفات التي طرحت أمام اللجنة. فجريمة الإعدام أثارت نقاشاً أيضاً في الشارع الإسرائيلي بعدما تبين أن الجيش أخطأ في تقديره عندما قرر إطلاق النار على السيارة التي كان يسافر فيها محمود. ففي حينه اعترف الجيش بأن الفتى لم يكن ضالعاً في رشق الحجارة وقد أصيب بالخطأ.

وبرر الجيش قائلاً: «وفق التحقيق لاحظ ضابط وجنود من وحدة كفير ما يحدث من رشق في الحجارة وقاموا بملاحقة راشقي الحجارة، وخلال ذلك أطلقوا النار بالخطأ على السيارة التي كانت تقل الفتى، محمود ورأفت بدران، وقال الجيش، انهم غير ضالعين. فقط وجدوا على مقربة من النقطة التي وقع فيها الحادث. ووفق ما روى والد الشهيد رافت فإن ابنه «خرج الى بركة السباحة في قرية بيت سيرا مع ابن عمه وأحد أقرباء العائلة الذي يقيم في قطر. في المساء بعد تناول الإفطار بقوا في البركة حتى منتصف الليل. وكانت شقيقتي هناك مع زوجها واستأجرت لهم سيارة أجرة لإعادتهم الى المنزل». وقال الأب انه من أجل الوصول الى القرية يجب المرور من الطريق الواقعة تحت شارع 443. «وحين اقتربوا من المعبر كانت تقف فوق الجسر سيارة بيضاء والى جانبها شخص مسلح، فقام بفتح النار على سيارة الأجرة. وحسب معلوماتي فقد قفز بعض الركاب خارج السيارة وبقي فيها آخرون، فأصيبوا، وكان من بينهم ابني الذي أصيب بجراح بالغة توفي متأثراً بها».

في حينه وبعد مقتل ابنه، طالب الوالد بنقل القضية الى المحكمة الدولية. اما وزارة الخارجية الفلسطينية فدعت منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والدولية الى العمل من أجل إيصال القضية الى محكمة العدل الدولية «من أجل محاكمة القتلة».

 

اللجنة الدولية غادرت الإثنين، وفي حوزتها بيانات للائحة اتهام في حق قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية. ومطلب فلسطيني بالبحث عن بديل للمحكمة، إذا ما قررت عدم متابعة الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، بأمل أن تكون هذه المحاكم وسيلة ضغط على إسرائيل تمنع استمرار جرائم الإعدام بدم بارد وقتل الفلسطينيين الأحياء.

زر الذهاب إلى الأعلى