أقلام وآراء

خطة عربية في مواجهة ترامب..فماذا بعد؟

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

انهت القمة العربية الاستثنائية في جمهورية مصر العربية أعمالها بتبني العرب للخطة المصرية بشأن قطاع غزة، ودعمهم للرؤية الفلسطينية في مواجهة التحديات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية.  ومع الأهمية الاستثنائية لهذا الموقف العربي الجريء في مواجهة ترامب الذي يعتقد أنه صاحب السلطة المطلقة على الأرض، وإقرار خطة عربية براغماتية في وجه مشروع الرئيس الأمريكي اللااخلاقي والمتلخص بإفراغ قطاع غزة من أهله.  إلا أن السؤال الأبرز: وماذا بعد! لا سيما وأن التنفيذ مرتبط بوقف دائم لإطلاق النار، وهذا الوقف يبقى رهن الموقف الإسرائيلي والأمريكي.

من الواضح بأن أحداث السابع من أكتوبر أتاحت الفرصة لنتنياهو وحكومته لاستغلالها واعتبارها التوقيت المناسب لتغيير الوقائع في المنطقة وصياغة شرق اوسطه الجديد.  ومما لا شك فيه أن وصول ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية وتجاهله لكل مفاهيم الحق والعدالة وتبنيه لسياسة نشر الخوف لفرض السلام غير العادل بالقوة في مناطق مختلفة من للعالم عزز من نهم نتنياهو بتوسيع دائرة اطماعه وقناعته بأنه هو من يستطيع تحقيق الحلم الصهيوني التاريخي بإقامة” إسرائيل الكبرى والعظمى”.

إن إعلان الرئيس ترامب بأنه فوجئ بالرفض العربي لمخططه طبيعي جدا لاعتقاده بأنه هو وحده في هذا العالم صاحب الحق المطلق والقرارات الغير خاضعة لأي نقد أو رفض أو نقاش، كما وان الموقف العربي الجامع باعتماد الخطة المصرية لن يدفعه إلى مراجعة قراراته، بل سيبحث في هذه الخطة العربية عن مبررات رفضها، واستنهاض خطته من جديد.  فخطة ترامب ليست وليدة الساعة، وإنما تمثل جزءا من حروبه الاقتصادية في وجه العالم يتكامل مع المشروع الإسرائيلي المزمع تنفيذه، ألا وهو مشروع قناة بن غوريون والتي من المفترض ان تصب بجوار قطاع غزة.

ولذلك لم يستطع نتنياهو إخفاء فرحته العارمة مع إعلان الرئيس الأمريكي عزمه على السيطرة على القطاع وتهجير أهلنا منه.  فرؤيته للشرق الأوسط الجديد ليست حديثة العهد، بل تمتد لعقود منذ قيام دولة الاحتلال، حيث تبنى قادة إسرائيليون مثل ديفيد بن غوريون سياسات وايديولوجيات صهيونية تهدف إلى ضم الأراضي المحتلة بوصفها جزءا من دولتهم، وهي الرؤية التي تعرف ب ” إسرائيل الكبرى “.

ولتوضيح الترابط العضوي بين مخطط ترامب والمشروع الإسرائيلي، يتوجب النظر إلى الصورة الكبرى وهي الحرب الترامبية الاقتصادية وبالتحديد ضد الصين التي تشكل له كابوسا حقيقيا ومرعبا.  لذلك قام بتهديد بنما التي رضخت واعلنت انسحابها من مبادرة الحزام والطريق الصينية، تلك المبادرة المتمثلة بخطين تجاريين أحدهما بري، والآخر مائي وهو الأهم، حيث تعمل الصين على تصنيع أكبر ناقلة للحاويات في العالم تتسع لأربعة وعشرين ألف حاوية إضافة إلى امتلاكها لأكبر أسطول ناقلات تجارية في العالم بلغ ٧٣٠ ناقلة. ومن أكثر المستفيدين من هذا المشروع الصيني عند استكماله ستكون جمهورية مصر العربية التي ستتحول إلى مركز من أضخم وأكبر مراكز تجميع وتداول الحاويات التجارية في العالم والتي من خلالها يتم التوزيع إلى الدول الأخرى وبالتحديد أوروبا.  ومع هذا المشروع يتصاعد الكابوس لدى الإدارة الأمريكية بأن تصبح الصين القوة الأولى المهيمنة على الحركة الاقتصادية مع أوروبا.  لذاك تجد الولايات المتحدة الأمريكية أن الضربة الأساسية الاقتصادية للمبادرة الصينية تكون في قناة السويس.  وهنا برز إلى السطح من جديد مشروع قناة بن غوريون والتي ستمتد من إيلات إلى عسقلان على البحر المتوسط لتكون بديلا لقناة السويس بعمق ثلاثين مترا. وبما أن عسقلان تقع بجوار قطاع غزة، فيجب أخذ القطاع، بنظرهم، لتأمين هذا المشروع وضرب المشروع الصيني وتهميش قناة السويس. فالرئيس الأمريكي ترامب لا يرى في قطاع غزة إلا أرضا خالية يحتاجها هو واسرائيل لإقامة البنى التحتية المتقدمة لقناة بن غوريون في إطار حروبه ضد الصين والعالم، ويرى فيها شاطئا جميلا يعتقد أنه وجد لأجله.  لا يرى في غزة أناسا تصدوا عبر التاريخ لكل الغزاة والمحتلين.  رحل الغزاة، وبقيت غزة وبقي أهلها.

تدرك الدول العربية خطر هذا المشروع الأمريكي ليس فقط على القضية الفلسطينية ووجود الشعب الفلسطيني، وإنما أيضا على أمنها القومي وعلى وجودها. ولذلك اتخذت الموقف الجريء باعتماد الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة بوجود أهله فيه.  وقد كان الرد الإسرائيلي متوقعا برفض الخطة العربية كما الرد الأمريكي، حيث رأت الخارجية الأمريكية أن الخطة المصرية لا تلبي التوقعات.  لكن هذا الموقف الرسمي العربي أعاد للحكومات العربية حالة الانسجام الكامل مع مواقف شعوبها مما يعطيها دفعا قويا لمرحلة: وماذا بعد.

على الدول العربية الاصرار على رفض سياسة الابتزاز ونشر الخوف لفرض ما يسمى السلام بالقوة، وهو في الواقع ليس سلاما وإنما إرادة أمريكية صهيونية.  كما عليهم العمل كقوة موحدة لها وزنها الإقليمي وتأثيرها، لا سيما بعد المتغيرات الكبرى في المنطقة وانحسار الدور الإيراني، والتمسك بالخطة العربية والورقة الفلسطينية كحل واقعي للوضع القائم، والمباشرة بوضع مسار لا رجعة عنه لإقامة الدولة الفلسطينية وتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.  وهذا يتطلب بذل جهود استثنائية مع كل دول العالم خاصة صاحبة القرار للحصول على أكبر دعم عالمي يساند الموقف العربي في مواجهة مقترح ترامب، والتفاوض مع الأمريكي من موقع الموقف العربي الموحد القوي الصارم المتسلح بأوراق قوة لا يرغب الأمريكي بأي شكل من الأشكال فقدانها مهما بلغ غروره وعنجهيته. ولذلك فإن فرص التأثير والتغيير لدى العرب متوافرة ويجب استثمارها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى