أقلام وآراء

الشباب الأوروبي ينتفض..

 

 

الشباب الأوروبي ينتفض.. تغيير جذري في توجه القارة أم موجة عابرة؟

 بقلم: خليل حمد

لا شك أن المشهد الوارد من شوارع كبريات المدن الأوروبية استثنائي. احتجاجات الطلاب والشباب والمتقاعدين تتسع، في تعبير غاضب، وعنيف أحياناً، عن أزمات يومية، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وفرص العمل، وتراجع جودة التعليم. احتجاجات تعكس تراجعاً في ثقة الشباب الأوروبي، وهو العمود الفقري للتظاهرات، بالأداء الخدمي لحكوماته. فهذه التفاصيل ليست هامشية، بل تمس قدرة الشباب على بناء حياة مستقرة، وضمان مستقبل آمن.

أحد أسباب الأزمة يعود إلى الشعور الذي زرعه تعامل الحكومات الأوروبية مع أبناء الجيل الأوروبي الشاب ومنه “جيل Z”. يعتقد هؤلاء أنهم تحولوا بالنسبة لحكوماتهم إلى “جيل مؤقت” يعيش على العقود قصيرة الأجل والأجور المتدنية، وتُظهر الاستطلاعات الحديثة الصادرة عن الاتحاد الأوروبي أن نحو 40% من الشباب الأوروبي (بين 16و30 عاماً) يضعون ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة على رأس أولوياتهم، فيما تشير بيانات مكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي Eurostat إلى أن نسبة التكاليف المرتفعة للسكن أرهقت نحو 27% من الأسر والشباب، ناهيك عن قلة فرص العمل وعدم تناسب الرواتب مع مشكلة التضخم.

يطالب المحتجون بحلول جذرية لمشكلاتهم، ويضيفون عليها ضرورة ضمان مستقبل بيئي أفضل لهم. برأي المحتجين في بعض الدول مثل بلجيكا والسويد، فإن عدم التعاطي الجدي من الحكومات مع أزمة التغير المناخي ومفرزاته البيئية يعني أن مستقبل الكوكب الصحي بات في خطر.

تتداخل في هذا المشهد المطالب الداخلية اليومية مع الهموم الدولية الأوسع، وتشدد على بعض المطالب المتكررة و”البديهية” بالنسبة إلى المواطن الأوروبي، لكن تعامل الحكومات غير الناجع معها عمَّق المشكلة بدلاً من أن يحلها، وعليه اتسعت الفجوة بين المحتجين الشباب في غالبيتهم والطبقة السياسية التقليدية بمرور الوقت، لتتحول إلى “أزمة ثقة”، أسبابها عديدة منها انفصال هذه الطبقة عن الواقع الرقمي والمادي والمعيشي المعقد الذي يعيشه الشباب، وفقاً لدراسة صادرة عن معهد إيدلمان أكدت أيضاً أن الحلول التقليدية التي تطرحه الحكومات لجيل يعتمد على الفضاء الرقمي في كثير من مفاصل حياته الاجتماعية والعملية ساهم بخلق هذه الفجوة، ناهيك عن أن الاستخفاف بالمطالب وتعامُل الحكومات مع الغضب الشعبي بمنطق “الاحتواء المؤقت”، زاد شعور الشباب بالتهميش والإهمال المنهجي لصوتهم ومطالبهم.

إلا أنه، ما وراء الغضب الشعبي يمكن توجه أعمق في الوعي الجمعي لنسبة مرتفعة من الشباب الأوروبي، تتلخص بإحساس حاد بأن الطبقة الحاكمة في أوروبا لا تمثل تطلعاتهم، ولا تصغي لآرائهم. النسبة وفقاً لاستطلاع شبكة Eurobarometer حول المساهمة السياسية للشباب وصلت إلى 60%، كما أظهرت بيانات معهد ERSI الأيرلندي أن الأزمات المعيشية دفعت نحو 70% من الشباب إلى العزوف عن التصويت للأحزاب التقليدية لصالح قوى راديكالية أو مستقلين، كنوع من الاحتجاج.

وصول موجة التغيير ولو بشكل تدريجي إلى صناديق الاقتراع يحمل مؤشرات على أن أوروبا تتغير، ليس تغييراً سريعاً مفاجئاً له تبعاته على القضايا الكبرى والصغرى، بل تغير تدريجي نحو “قارة عجوز” مختلفة في مقارباتها لمختلف الملفات، وفي طريقة التعبير الشعبي عن المطالب. وهنا تظهر القضية الفلسطينية بوضوح ليس في الشعارات المباشرة للتظاهرات، بل في أنها كسرت الحاجز بين الأوروبيين وشوارعهم، بمعنى أن التظاهرات العارمة التي شهدتها عواصم ومدن أوروبية عديدة استنكاراً لحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة، ساهمت بشكل أو بآخر في اعتماد مواطني القارة العجوز على أسلوب التظاهرات للتعبير عن مطالبهم.

وفقاً لبيانات مشروع معطيات موقع النزاعات المسلحة والأحداث ACLED، شكلت المظاهرات والفعاليات المناهضة لحرب الإبادة الجماعية على غزة والمناصرة لفلسطين نحو 86% من إجمالي التظاهرات والاحتجاجات العالمية الموثقة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وكانت النواة الأساسية فيها والعمود الفقري لتنظيمها هم طلاب الجامعات وأبناء “جيل Z”.

نفس الجيل الذي يهتف اليوم في قضايا المعيشة هتف بالأمس لأجل فلسطين، وفي هذا مؤشر لارتباط القضايا الحقوقية العالمية والداخلية في عقلية كثير من أبناء هذا الجيل، الذين باتوا يربطون بين الإنفاق العسكري والدعم المالي والتسليحي الذي تقدمه حكوماتهم لأطراف خارجية أبرزها “إسرائيل”، وبين أزماتهم الداخلية وتقليص النفقات المتعلقة بالصحة والتعليم، ومجمل واقعهم الاقتصادي الذي يحتجون عليه، وتحول هذا إلى جزء من نقدهم الكلي للنظام الحاكم في القارة العجوز، وطريقة إدارته للأزمات، سواء الداخلية منها أم الخارجية. إذا سار هذا الحراك الشعبي بالطريق الصحيح، فإنه قد يتحول إلى “حراك عابر للقضايا”، يتجاوز الشعارات نحو الربط الفعال بين الملفات الدولية والإقليمية والداخلية المتشابكة، كجزء من حل واحد ومستدام.

لكن المشهد يحمل وجهاً آخر، فتركيز بعض السياسيين ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي على تأطير الاحتجاجات وشعاراتها المطلبية بوصفها “المطالب الوحيدة المشروعة للأوروبيين”، يطرح مخاوف مشروعة من أن يتم استثمار هذه التظاهرات سياسياً من قبل بعض الجهات واللوبيات الداعمة لـ “إسرائيل” لتوجيه الرأي العام، وتحويل الاحتجاج لأجل فلسطين وقضايا المظلومين في العالم إلى “مسائل هامشية”، في محاولة لإعادة توجيه البوصلة الشعبية نحو القضايا الداخلية فقط.

في الخلاصة: لا يبدو المشهد في أوروبا عادياً أبداً، وبغض النظر عن نتائجه فإن تغييراً حدث في الجيل الأوروبي الشاب هو أكثر من مجرد مطالب معيشية، لكن مآلات هذا التغيير وحجمه وتأثيره على القضايا العالمية تحده قدرة المحتجين على فهم أن مطالبهم الداخلية المعيشية لا تتجزأ عن القضايا العالمية الكبرى، وإدراك قدرتهم على إيصال من يستطيع تحقيقها إلى مواقع القرار في بلدانهم، وأن يكون هذا التغيير المهم متعدداً في أوروبا، التي تقف اليوم أمام فرصة أن تتحول من “قارة عجوز” إلى “قارة يقودها الشباب” نحو مستقبل أفضل، لها ولسواها.

زر الذهاب إلى الأعلى