أقلام وآراء

السعودية بين ضغط الحوثي والاستثمار الأمريكي الإسرائيلي

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

 

الحرب في اليمن تجاوزت كونها نزاعا داخليا بين الشرعية والحوثيين، وتحولت الى ساحة صراع اقليمي ودولي وأداة استراتيجية تستخدم لإعادة تشكيل النظام الاقليمي في الشرق الأوسط. وفي قلب هذا المشهد تجد السعودية نفسها مستهدفة عسكريا عبر الحوثيين، وسياسيا عبر ضغوط امريكية ودولية تعمل على توظيف هذه الاعتداءات بهدف إعادة تعريف موقع السعودية ودورها في المنطقة، وتدويره من قوة اقليمية مستقلة الى دولة مضطرة للانخراط في مسارات اقليمية جديدة ترسم ملامحها في واشنطن وتل أبيب، بينما يتم استخدام إيران والحوثيين كأدوات ضغط ولاعبين مزعجين لإجبار الرياض على القبول بالواقع الجديد ورفع كلفة أي رفض له. وهنا يضع الامريكي المملكة أمام المعادلة الصعبة، فإما الاستمرار في حرب استنزاف اقتصادي وعسكري بلا ضمانات امريكية، أو الانخراط في النظام الاقليمي الجديد عبر التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يعتبر تنازلا استراتيجيا يحد من استقلالية قرارها، مع كل ما يحمله أيضا من ضرر على مستقبل قضيتنا الفلسطينية وصراعنا مع الاحتلال. لكن ما هي الأوراق التي تستطيع المملكة لعبها اليوم خاصة وأنها تمتلك تحالفا دفاعيا ثلاثيا مع باكستان وتركيا يتجاوز التنسيق التقليدي ويمكن أن يمنح الرياض أداة ردع جديدة ضد الحوثيين والضغوط الأمريكية، لكنه يحتاج إلى اختبار عملي طويل الأمد لإثبات فعاليته، وعلى الرياض أن تدير الرهان عليه بحذر بحيث لا يتحول الى مواجهة مع واشنطن، بل ورقة ضغط توازن بين التحالفات التقليدية والجديدة. كذلك فإن وجود هذا الاتفاق لا يعني بأن هذه الدول ستسارع الى التدخل المباشر في الحرب، إذ أن لكل دولة حساباتها. فعلى الرغم من أن العلاقات العسكرية بين الجيشين السعودي والباكستاني هي علاقات تاريخية حيث شاركت قوات باكستانية في حماية الحدود السعودية منذ عقود، وعلى الرغم أيضا من أن الاتفاقية الثلاثية منحت باكستان دورا محوريا عبر تعيين قائدها العسكري كأمين عام للتحالف، إلا انه من الواضح ان باكستان تبحث في خيار الدبلوماسية لا الحرب، وهي دولة تجيد الحفاظ على توازناتها في الأزمات الدولية المعقدة وتمتلك شبكة علاقات قوية وموثوقة مع طهران، وتتجنب الانحياز في النزاعات الدولية الكبرى. فخلال الحرب الأوكرانية الروسية احتفظت اسلام اباد بعلاقاتها مع مختلف الأطراف بعيدا عن الاصطفاف. كذلك في الشرق الأوسط لا زالت علاقاتها وطيدة مع إيران رغم التباينات، ولعبت دور الوسيط لإنهاء الحرب واستضافت ثلاث جولات تفاوضية بين وفدي الولايات المتحدة وإيران. ومن خلال علاقتها الجيدة مع طهران تعتقد انها قد تستطيع لعب دور دبلوماسي للتهدئة بين السعودية والحوثيين باعتبار أن مفاتيح التهدئة مع صنعاء تمر حتما عبر يراني، وهذا ما كان واضحا أيضا من خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني الى إيران قبل اجتماع أطراف اتفاق مكة، ما يعني أن هناك حدودا لفكرة التدخل، وهم يؤمنون بنظرية الضغط وتوظيف الأوراق لإحداث تغيير دون الانخراط او الدخول في معارك استنزاف عسكرية. ولكن إذا ما تطورت الأوضاع الى الأسوأ، فإن باكستان ربما ستكون الأكثر استعدادا للانخراط العسكري والمباشر بجانب السعودية لأنها فعليا تعتبر أمن المملكة جزءًا من أمنها القومي.

أما تركيا الذراع الثالث في الاتفاق، فإنها تمتلك صناعات دفاعية متقدمة (طائرات المسيرة، أنظمة دفاع جوي) ويمكن أن تحدث فارقا في مواجهة الحوثيين. لكن انقرة التي تسعى لتعزيز نفوذها الاقليمي عبر التحالف مع السعودية، لديها التزاماتها في ملفات أخرى (سوريا، شرق المتوسط، ما قد يحد من انخراطها المباشر، لكن من المرجح أن تقدم دعما تقنيا ولوجستيا مع محدودية المشاركة في العمليات المباشرة طالما مسرح العمليات سيما البرية يبقى ضمن الأراضي اليمنية.

ومع أن الموقف المفاجئ للولايات المتحدة التي اختارت الامتناع عن تقديم الدعم المباشر للمملكة حين تعرضها للاعتداءات كان مثار تساؤلات كبيرة، إلا انه ومع تطور الأحداث والتصريحات اللاحقة لمسؤولين امريكيين وإسرائيليين، اتضحت اهدافها الأساسية حيث تعمل على الاستثمار في الضغط الحوثي لإخضاع السعودية وقبولها بالتطبيع مع إسرائيل والانضمام الى الاتفاقيات الابراهيمية، وهي اهداف تسعى لها الإدارة الأمريكية مند ولاية ترامب الأولى. وتذهب بعض المصادر الى فرضية وجود تفاهمات امريكية حوثية اوسع، خصوصا حين يتم ترتيب الأحداث في صف واحد. الحوثي يصل الى باب المندب ثم يعلن أن المشكلة مع السعودية فقط، ليتم الكشف بعدها عن اتصالات مباشرة مع الأمريكيين قبل وصول الحوثي الى مضيق باب المندب، وتقديمه التطمينات بأن السفن الأمريكية وحتى الإسرائيلية هي خارج دائرة الاستهداف. وقد أكدت المصادر حصول لقاء مباشر في حرم السفارة الأمريكية في مسقط شاركت فيه شخصيات حوثية وازنة مثل محمد عبد السلام الناطق الرسمي باسم الحوثيين وعبد الملك العجري، وهذا يعني اننا امام قناة مباشرة رسمية وبمستوى سياسي حوثي كبير. وهنا يجوز الجزم بأن الحوثي ما كان ليجرؤ على هذا التمدد داخل اليمن وعلى هذا التمادي في استهداف الداخل السعودي، لولا ثقته بالحياد الأمريكي. وهنا تسقط كل المبررات والشعارات التي بنى عليها الحوثيون حركتهم منذ تأسيسها والتي كان شعارها الأساس ” الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل “.

لكن الأساس في الأزمة تبقى إسرائيل، والمفارقة أن الأمريكيين يريدون تجنب التورط المباشر ويستثمرون في الضغط الحوثي، والجيش الإسرائيلي يحذر من التصعيد مع الحوثي، وفي المقابل نتنياهو يحاول الحصول على موافقة سعودية لدخول المعركة. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت امريكا فعلا تريد تحجيم الحوثي، فلماذا لا تدخل إسرائيل من بوابة الطلب الامريكي، سيما وأنها قصفت سابقا الحوثيين دون موافقة سعودية وتستطيع عسكريا تنفيذ ضربات قاسية، فما الذي تغير !!. نتنياهو يريد تحقيق مكاسب سياسية تفوق العملية العسكرية ذاتها، وهنا جوهر الموضوع. فهو يريد دخول الحرب من البوابة السعودية ليقوم بتسويقها كشراكة أمنية مع المملكة في مواجهة خطر مشترك، ما يفتح الباب أمام تعاون أمني عربي إسرائيلي. كذلك فإن نتنياهو يسعى الى دخول الانتخابات في إسرائيل بصورة الرجل الذي استطاع فتح باب التعاون مع السعودية وبالنتيجة فرض التطبيع واحياء مشروع ايميك (IMEC) المتعلق بالممر الهندي الشرق أوسطي، وهو المشروع الذي يربط الهند بالخليج العربي عبر السعودية والاردن وإسرائيل وصولا الى أوروبا. مشروع تعول عليه إسرائيل اقتصاديا واستراتيجيا، لكن الرياض كانت اعاقت المسار الإسرائيلي فيه. ولذلك يرى نتنياهو في الحرب على الحوثي فرصة لفتح قنوات أمنية وسياسية مع السعودية واستخدامها لإحياء ملف التطبيع وإعادة مشروع ايميك الى الطاولة. بالمحصلة، الحوثي يضرب السعودية ويهدد أمنها، ثم يخرج نتنياهو ليعرض على الرياض المساعدة العسكرية وفتح أبواب التعاون، وهذا ما يسمى التخادم في النتائج السياسية.

المملكة تعي أن الموافقة على مشاركة الاحتلال ليست إذن لطائرات إسرائيلية تقصف الحوثي، انما فتح جسر يعبر منه نتنياهو نحو الرياض ثم نحو التطبيع وترتيبات اقليمية يراد من خلالها لإسرائيل أن تكون في مركزها. لذلك فإن الرفض السعودي هو أكبر من أن يكون قرارا عسكريا، بل رفض لأي إنجاز يتم تقديمه كبوابة لتحقيق أهداف إسرائيل في إطار النظام الاقليمي الجديد.

زر الذهاب إلى الأعلى