أقلام وآراء

نتنياهو قاعة فارغة وعزلة دولية.. ومسؤولية لا تحتمل التأجيل

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

لم يكن خروج عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بدء رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو خطابه مشهدًا بروتوكولياً عابراً، بل كان مشهداً سياسياً احتجاجياً لافتاً عكس اتساع العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل، فقد وجد نتنياهو نفسه يخاطب مقاعد قاعة غادرها عدد كبير من ممثلي الدول، في صورة تختصر حجم الهوة المتسعة بين حكومة الاحتلال والمجتمع الدولي، وتكشف أن إسرائيل باتت تواجه عزلة سياسية ودبلوماسية متزايدة بسبب استمرار حربها العدوانية الشاملة على غزة وسياسات الاستيطان والتهجير ورفض الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

وإذا كانت القاعة الفارغة قد اختزلت في لحظات مشهد العزلة، فإن الأهم هو ما تكشفه سياسياً، فإسرائيل لا تواجه فقط اعتراضاً على خطاب نتنياهو، وإنما أزمة أعمق في علاقتها بالقانون الدولي وبالمواقف الدولية المتزايدة رفضاً لسياساتها، ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا قالت الوفود وهي تغادر القاعة، بل ماذا ستفعل الدول بعد مغادرتها؟ ومتى تتحول المواقف والاحتجاجات إلى خطوات سياسية وقانونية مؤثرة؟

وهنا لا يمكن قراءة مشهد الجمعية العامة بمعزل عن الموقف الأمريكي، ففي الوقت الذي تواصل فيه الإدارة الأمريكية دعمها السياسي لإسرائيل وتوفير الغطاء لها في المحافل الدولية، اتخذت واشنطن هذا العام، وللعام الثاني على التوالي، قراراً بمنع الرئيس محمود عباس من الحضور شخصياً والمشاركة في أعمال الجمعية العامة، من خلال رفض منحه تأشيرة الدخول، ومع ذلك، لم ينجح تغييب الرئيس الفلسطيني في تغييب فلسطين؛ فقد حضرت القضية الفلسطينية بقوة في أعمال الدورة، سياسياً ودبلوماسياً وشعبياً، لتؤكد أن تغييب الشخص لا يمكن أن يغيّب قضية شعب، وأن منع القيادة الفلسطينية من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة لا يلغي حضور فلسطين ولا حقوقها الوطنية المشروعة.

لقد جاء نتنياهو إلى الأمم المتحدة ليكرر خطاباً يقوم على تبرير استخدام القوة، والتنصل من نتائج سياسات الاحتلال، ومحاولة تقديم الحرب باعتبارها قضية أمنية منفصلة عن جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني، غير أن هذا الخطاب اصطدم بمشهد القاعة الفارغة وباحتجاجات واسعة، في دلالة على أن الرواية الإسرائيلية لم تعد تحظى بالقبول الذي سعت حكومة الاحتلال إلى فرضه طويلاً في المحافل الدولية، لكن اتساع دائرة الاعتراض لا يكفي وحده، فالشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيد من المواقف التي تسجّل في محاضر الأمم المتحدة بقدر حاجته إلى قرارات تنفّذ وإجراءات تحمي حياته وأرضه وحقوقه الوطنية والإنسانية المشروعة، فالفارق بين الإدانة والموقف الفاعل هو القدرة على تحويل الموقف السياسي إلى ضغط وإجراءات ومساءلة.

لقد طال زمن الاكتفاء بإدارة نتائج الاحتلال، فالمساعدات الإنسانية، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة السبب السياسي للأزمة، وحماية المدنيين لا تتحقق بالبيانات وحدها، كما أن الدعوة إلى السلام تفقد معناها إذا استمر الاستيطان والتهجير وفرض الوقائع بالقوة على الأرض، ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط وقف العدوان، وضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون قيود، بل أيضًا وقف الاستيطان والتهجير ومحاولات الضم، ومنع فرض أي تغيير دائم على الأرض بالقوة، وتفعيل آليات المساءلة الدولية عن الانتهاكات، حتى لا يبقى القانون الدولي إطاراً نظرياً يفتقر إلى أدوات التنفيذ.

وتتحمل الأمم المتحدة دوراً محورياً في حماية النظام الدولي الذي قامت على أساسه، فحين تتكرر الانتهاكات دون إجراءات رادعة، تتآكل هيبة القانون الدولي وشرعية المؤسسات الدولية ووظيفتها، وحين تبقى القرارات بلا تنفيذ، تتسع الفجوة بين الشرعية الدولية والواقع السياسي، ولا يمكن تجاهل الدول التي تمتلك أدوات سياسية وقانونية واقتصادية قادرة على التأثير، فاستمرار التعامل مع إسرائيل بمعايير مختلفة، بينما يطلب من الشعب الفلسطيني وحده دفع ثمن استمرار الاحتلال، يفاقم أزمة الثقة بمنظومة القانون الدولي ويقوّض مصداقيتها، والمطلوب أن تكون هناك كلفة سياسية وقانونية واضحة لاستمرار الاحتلال وانتهاك قواعد القانون الدولي.

ولا تنتهي القضية عند وقف جريمة الحرب والابادة الجماعية، فالعودة إلى الوضع الذي سبقها ليست حلاً، وإدارة الاحتلال ليست تسوية، المطلوب فتح مسار سياسي واضح وملزم ينهي الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، ويضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس.

القضية اليوم ليست اختباراً لقدرة نتنياهو على مخاطبة العالم، بل اختبار لمدى جدية الدول في ترجمة مواقفها إلى سياسات، فقد غادر المندوبون القاعة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك، فهل تتحول هذه المواقف إلى إجراءات، أم تعود القضية إلى دائرة البيانات والإدانات؟

ومن هنا، ينبغي ألا يكون مشهد القاعة الفارغة نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة مختلفة، تنتقل فيها الدول من تسجيل الاعتراض إلى اتخاذ الإجراءات، ومن إدانة الانتهاكات إلى تفعيل المساءلة عنها، ومن إدارة الأزمة الإنسانية إلى معالجة أصلها السياسي.

لقد كشفت القاعة الفارغة حجم العزلة التي تواجهها إسرائيل، لكنها كشفت في الوقت نفسه حدود المواقف الرمزية، فالعزلة السياسية لا تصبح ذات أثر ما لم تتحول إلى ضغط فعلي، والمواقف الدولية لا تكتسب قيمتها الكاملة ما لم تترجم إلى حماية للشعب الفلسطيني ومساءلة للاحتلال وفتح طريق واضح لإنهائه، فالمعيار في المرحلة المقبلة ليس عدد الوفود التي غادرت القاعة، ولا عدد البيانات التي صدرت بعدها؛ والمعيار هو ما إذا كان العالم سيغادر معه سياسة الاكتفاء بالإدانة، ويتقدم نحو استخدام أدواته السياسية والقانونية لإنهاء الاحتلال وحماية حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وترسيخ مكانتها القانونية والاعتبارية كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى