أقلام وآراء

نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي

 

نحو تجديد المشروع الوطني الديمقراطي عبر الانتخابات الحرة والمباشرة
وتعزيز الحرية والعدالة الاجتماعية

بقلم: د. أحمد مجدلاني

تحل الذكرى التاسعة والخمسون لانطلاقة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في لحظة وطنية وإقليمية ودولية بالغة الدقة والخطورة، يواجه فيها شعبنا الفلسطيني حرباً استعمارية مفتوحة تستهدف وجوده الوطني وحقوقه التاريخية، عبر الإبادة الجماعية، والتجويع، والتهجير القسري، والتدمير المنهجي، والاستعمار الاستيطاني، ومحاولات الضم وفرض الوقائع بالقوة، في ظل تصاعد غير مسبوق للفاشية الإسرائيلية، واستمرار الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي توفره الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من القوى الغربية لحكومة الاحتلال، بما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويقوض منظومة العدالة الدولية، ويكرس سياسة الإفلات من العقاب.
وفي خضم هذه التحولات العاصفة، تستحضر جبهة النضال الشعبي مسيرتها النضالية الممتدة منذ انطلاقتها في الخامس عشر من تموز عام 1967، لتؤكد أن رسالتها لم تكن يوماً مقاومة الاحتلال فحسب، بل بناء مشروع وطني ديمقراطي للتحرر، يجمع بين الدفاع عن الحقوق الوطنية وصون الكرامة الإنسانية، والانحياز إلى العمال والكادحين والفلاحين وسائر الفئات الشعبية، من أجل مجتمع يقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، فمنذ انطلاقتها، انخرطت الجبهة في مسيرة الثورة الفلسطينية، وأسهمت في صوغ محطاتها النضالية، وقدمت كوكبة من الشهداء والأسرى والجرحى، وظلت وفية لنهجها الوطني التقدمي، ولبرنامج منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، والإطار الوطني الجامع لنضاله من أجل الحرية والاستقلال والعودة.
لقد اثمرت تضحيات ونضالات شعبنا على تنامي حركة التضامن الدولية مع شعبنا الفلسطيني، واتساع الاعتراف بعدالة قضيته، وتصاعد مواقف القوى الديمقراطية والتقدمية، والحركات العمالية والنقابية، والجامعات، ومنظمات حقوق الإنسان، التي أسهمت في فضح جرائم الاحتلال وتعزيز حضور الرواية الفلسطينية في الرأي العام العالمي، وتمثل هذه التحولات رصيداً سياسياً وأخلاقياً ينبغي البناء عليه عبر استراتيجية وطنية فاعلة، توظف أدوات العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، وتوسع دائرة التضامن الدولي، بما يخدم نضال شعبنا لإنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم وفقاً للقرار (194).
وإدراكنا لطبيعة المرحلة، فأن الوحدة الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتعزيز صمود شعبنا وإفشال مخططات الاحتلال، ولذلك، فإن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لم يعودا خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وطنية ملحة، عبر إعادة بناء وتجديد النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية، بما يعزز الشراكة الوطنية، ويصون استقلالية القرار الوطني، ويكرس التعددية السياسية في إطار وحدة الهدف والمصير.
وانطلاقاً من مرجعيتنا الفكرية القائمة على اليسار الاجتماعي والاشتراكية الديمقراطية، تؤكد الجبهة أن الدفاع عن حقوق العاملات والعمال، والفلاحين، والموظفين، والعاطلين عن العمل، وسائر الفئات الفقيرة والمهمشة، ليس مطلباً اجتماعياً فحسب، بل جزءاً أصيلاً من معركة التحرر الوطني، ومن ثم، فإن مواجهة سياسات الاحتلال يجب أن تقترن بسياسات وطنية تعزز العدالة الاجتماعية، وتوسع مظلة الحماية الاجتماعية، وتدعم الاقتصاد الوطني المنتج، وتعيد الاعتبار لدور الدولة في التنمية، وتكفل توزيعاً أكثر عدالة للثروة والفرص.
وفي هذا الإطار، نؤكد أن بناء اقتصاد وطني منتج يشكل أحد مرتكزات الصمود الوطني، بما يستدعي توجيه الموارد نحو دعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، وحماية المنتج الوطني، بما يسهم في الحد من التبعية الاقتصادية للاحتلال، ويعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود ومواجهة الأزمات.
كما ان توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتطوير منظومة الضمان الاجتماعي، وصون الحقوق والحريات النقابية، وتمكين الحركة النقابية الفلسطينية من أداء دورها الوطني والاجتماعي باعتبارها شريكاً أساسياً في معركة التحرر والبناء، وتؤكد أن اعتماد سياسات ضريبية أكثر عدالة، وتعزيز الشفافية والنزاهة، ومكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق العام، تمثل متطلبات أساسية لترسيخ الثقة بالمؤسسات العامة، وتوجيه الموارد نحو أولويات التنمية والعدالة الاجتماعية.

ونؤمن بأن الشباب الفلسطيني يشكل الطاقة الأكثر قدرة على صناعة المستقبل، وأن تمكينه سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتوفير فرص العمل والإبداع أمامه، يمثلان استثماراً استراتيجياً في المشروع الوطني، كما تؤكد أن تعزيز دور المرأة الفلسطينية، وصون حقوقها، وضمان مشاركتها الكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي مواقع صنع القرار، يشكل ضرورة وطنية وديمقراطية، ويعكس جوهر مشروعنا التحرري والتقدمي.
أن التحولات الجارية في النظام الدولي، وما يشهده العالم من تراجع تدريجي لهيمنة القطب الواحد، وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة،تعزز فرص بناء نظام دولي متعدد الأقطاب أكثر توازناً وعدالة ، تفتح آفاقاً أوسع أمام نضال الشعوب من أجل الحرية وتقرير المصير، ، ومن هذا المنطلق، تعمل الجبهة على توسيع علاقاتها مع الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية والتقدمية، والحركات النقابية والعمالية، وقوى التحرر في العالم، بما يعزز الحضور الدولي للقضية الفلسطينية، ويعمق عزلة الاحتلال، ويدعم الجهود ،الرامية إلى محاسبة قادته على جرائمهم أمام المحاكم الدولية.
وفي الذكرى التاسعة والخمسين لانطلاقة الجبهة، نستحضر بإجلال ووفاء القائد المؤسس الخالد فينا، الرفيق الدكتور سمير غوشة، ورفاقه المؤسسين، وجميع شهداء الجبهة والثورة الفلسطينية، الذين خطّوا بدمائهم صفحات مشرقة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، كما نحيي أسرانا وأسيراتنا في سجون الاحتلال، الذين يجسدون أسمى معاني الصمود والثبات، ونتوجه بالتحية إلى الجرحى، وإلى جماهير شعبنا الصامدة في قطاع غزة، والضفة الغربية، بما فيها القدس، وفي مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين وكافة مخيمات اللجوء والشتات، التي ما زالت، رغم كل ما تواجهه من معاناة، متمسكة بحقوقها الوطنية وثوابتها التاريخية بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ، وضمان حق العودة للاجئين وفق القرار (194)، وبناء مجتمع ديمقراطي تقدمي، يقوم على سيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية، وصون الكرامة الإنسانية.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى