العصر الذهبي
هآرتس – أوري أفنيري
واحد من الايام السعيدة في حياتي كان بعد الزيارة التاريخية لانور السادات الى القدس. ففور الزيارة سافرت الى القاهرة من دون تأشيرة. وأذكر تلك اللحظة: تقدمت بجواز سفري الاسرائيلي الى شرطي الحدود، فقلبه، وكأنه لا يفهم وعندها أدرك طبيعة جواز السفر. للحظة تجمد في مكانه، رفع عينيه الي، وبابتسامة من الاذن الى الاذن قال: “مرحبا”.
بعد بضعة ايام بدأ مؤتمر السلام في “مينا هاوس”، قرب الاهرامات. مجموعة كبيرة من رجال الاعلام وصلت من البلاد. لكل واحد منا كان يرافقه ضابط من جهاز الأمن المصري. وفي احدى الزيارات قررنا “الهرب” من هؤلاء الحراس. أخذنا سيارات عمومية، سافرنا الى النيل واستأجرنا سفينة سياحية. كنا سعداء. المشهد الرائع، المناخ المريح، ولا سيما اجواء السلام. كنا واثقين من أنها مسألة بضعة اشهر الى أن يقوم ويسود السلام بين اسرائيل والشعب الفلسطيني والعالم العربي بأسره.
وعندها حصل شيء ما: واحد من رؤساء الدائرة العربية في سلطة البث، يهودي من اصل عراقي، تمزق من شدة السعادة: “انتم، ايها الاشكناز، قلتم اننا كنا نسكن الكهوف. والان ترون القاهرة – القصور الفاخرة، المؤسسات الثقافية، مدينة رائعة. لم اعد أخجل من اصلي. أنا يهودي عربي”. احد الحاضرين، وهو شاعر معروف، شعر باهانة حتى اعماق قلبه، وانفجر قائلا: “اذا كان هكذا فأنا لا اريد السلام”.
تذكرت تلك اللحظة عندما شاهدت في ليل السبت في القناة 10 تقريرا عن مجموعة جديدة من الشرقيين، تسمي نفسها “العصر الذهبي” وتتطلع الى ان تعيد الى الشرقيين كرامتهم الضائعة وان تحتل لهم المكان المناسب في المجتمع الاسرائيلي.
“العصر الذهبي” كان الفترة اللامعة من الشراكة الاسلامية – اليهودية في اسبانيا قبل الف سنة، في عهد الحكم العربي هناك. شخصيات مثل الرمبام، يهودا هليفي، ابن غبيرون وكثيرون آخرون كانوا شركاء كاملين في الحكم، في المجتمع وفي الثقافة. تحدثوا وكتبوا العربية، تحركوا بشكل حر في الرحاب الهائل للعالم الاسلامي وازدهروا بكل المعاني. في العالم العربي لم تكن حالات قتل جماعية تقريبا، لم تكن محاكم تفتيش ولم تكن بالتأكيد كارثة. عندما احتل المسيحيون اسبانيا من جديد وطردوا اليهود والمسلمين، هاجرت الاغلبية العظمى من يهود اسبانيا الى الرحاب الاسلامي، وقلة قليلة فقط هاجرت الى اوروبا المشحونة والمتزمتة.
ليس صدفة ان قورن وضع يهود المانيا قبل مئة سنة بالعصر الذهبي الاسباني. فقد سموا أنفسهم بفخار “المان ابناء دين موسى”، ارتبطوا بالثقافة الالمانية وادوا دورا مهما في الابداع. واذا كان هناك “يهود المان” فلماذا لا يكون “يهود عرب”؟
وعليه، ماذا حصل لهذه الشراكة عندما هاجرت جموع اليهود الشرقيين الى البلاد؟ كيف تحول الكثيرون منهم الى كارهين للعرب؟ كيف تحولوا ليصبحوا قاعدة لليكود – الحزب الذي ولد في اوروبا وكل زعمائه تقريبا من اصول اوروبية؟
عندما جاءت جموع اليهود من البلدان العربية الى البلاد، بعد حرب الـ 48، وجدوا هنا حاضرة تحتقر العرب وتكرههم. وفي محاولة يائسة لتكييف انفسهم مع الاجواء القادمة، بل المهاجرون الشرقيون يحتقرون التراث الذي جاءوا به، اللهجة العربية (التي هي اللهجة العبرية السلمية)، الموسيقى العربية، أنماط الحياة العربية. سارعوا الى “الاشكنزة”، وأولا وقبل كل شيء تطلعوا لان يميزوا أنفسهم عن العرب “المحتقرين”. هذا لم يجد نفعا. كنت شاهد عيان لهذه المسيرة. وقد مللت أن اروي باني كنت قائد صف لمتطوعين جدد من المغرب، وانهم انقذوا حياتي عندما اصبت. وحين كنت محرر “هعولام هزيه” نشرت في 1954 سلسلة تقارير بعنوان “يضطهدون السود”، بعثت تنديدات من كل الجهات. وقد حصل هذا قبل سنوات من وادي سالب والفهوت.
من اعتقد، مثل دافيد بن غوريون، بان المشكلة ستختفي من تلقاء ذاتها، وانه في الجيل الثاني والثالث سيختلط الجمهور الشرقي تماما في الجمهور الاسرائيلي (الاشكنازي) اخطأ خطـأ مريرا. العكس هو الصحيح. الوضع يحتدم من جيل الى جيل. وبالذات عندما يتحسن الوضع الاقتصادي للشرقيين، يصبح شعورهم بالاهانة اكثر لذعا. فالتضارب الشرقي – الاشكنازي حاد اليوم في كل المجالات، ولا سيما في السياسة. لا احد يستطيب الحديث عن هذا. الليكود الاشكنازي يعتمد على جماهير الناخبين الشرقيين، بينما المعسكر الصهوني ذو الاساس الاشكنازي آخذ في الهزال.
هناك وهم في أن مصدر المشكلة اجتماعي – اقتصادي. الكثيرون يبحثون عن العلاج في هذا المجال، ولكن هذا خطأ. فجذر المشكلة هو في الاحتقار الذي يشعر به سليلو الغرب نحو اصل الشرقيين، واحساس الاهانة التي ترافق كل شرقي، والذي يزداد بالذات كلما كان اكثر نجاحا. هاينرخ هاينه هو “ثقافة”، ولكن ابن غبيرول ليس “ثقافة” (كم اشكنازي يعرف على الاطلاق من كان هاينه؟).
من يحتقر العرب، يحتقر في خفاء قلبه الشرقيين. عندما يدعي بتسلئيل سموتريتش بانه لا يريد ان تشارك زوجته غرفة الولادة مع “عربية” لان العرب يفعلون ضجيجا في حفلاتهم، فانه يقصد ايضا الحفلات الصاخبة للشرقيين. وعندما تدعي السيدة سموتريتش بانها لا تريد لطبيب “غير يهودي” ان يلمس وليدها الطاهر، فمن تقصد بالضبط؟ رجال الحركة الجديدة يشعرون هذا. وعليه فقد عقدوا تظاهرتهم الأولى امام منزل الزوجين سمرتريتش. آمل أن يكون اعضاؤها على وعي ايضا بكامل معنى الاسم الذي اختاروه لأنفسهم، “العصر الذهبي” – فترة الشراكة الرائعة بين اليهود والمسلمين. لست أدري اذا كانت هذه المجموعة ستبسط كنفيها وتقلع، أم ان هذه ستكون محاولة عابثة اخرى. ولكن مثل “عرش الشعر” هذا مؤشر مشجع.
ان حركة السلام الاسرائيلية لن تنجح اذا لم تجد جموع المشاركين في الجمهور الشرقيين مثلما لن تنجح اذا لم تتعاون مع الشرقيين العرب. وفقط عندما يحصل هذا سيكون لنا امل في “عصر ذهبي” جديد، وفتح صفحة لامعة في تاريخ شعبي البلاد.
