أوسلو والاحتلال


بقلم: محمد علوش
منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، ظلّ الاتفاق إحدى أكثر المحطات السياسية إثارة للجدل في التاريخ الفلسطيني المعاصر؛ فبين من رأى فيه بداية لمسار سياسي يمكن أن يقود إلى إنهاء الاحتلال الاسرائيلي وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، وبين من اعتبره اتفاقاً غير متكافئ حمل في بنيته اختلالات عميقة منذ لحظة ولادته، بقي أوسلو حاضراً في الوعي الوطني الفلسطيني بوصفه تجربة سياسية كبرى لها ما لها وعليها ما عليها.
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيعه، يعود السؤال بإلحاح: هل ألغت “إسرائيل” اتفاق أوسلو عملياً؟ أم أنها أبقت عليه بصورة انتقائية تخدم مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية؟
ضمن الرؤية الوطنية الفلسطينية، لا يمكن التعامل مع هذا السؤال بمنطق الشعارات أو الأحكام المطلقة، بل عبر قراءة سياسية مسؤولة تنطلق من طبيعة المرحلة التي عاشها الشعب الفلسطيني آنذاك، ومن موازين القوى الإقليمية والدولية التي أحاطت بتلك المرحلة، فقد جاء الاتفاق بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وفي ظل تحولات دولية كبرى أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، وتراجع النظام العربي الرسمي، الأمر الذي دفع القيادة الفلسطينية إلى البحث عن نافذة سياسية تحفظ الهوية الوطنية الفلسطينية، وتعيد القضية الفلسطينية إلى دائرة الاهتمام الدولي بعد سنوات من الحصار والعزلة.
ولا يمكن إنكار أن اتفاق أوسلو حقق جملة من المكاسب السياسية والوطنية؛ فقد أسهم في تثبيت الاعتراف الدولي بالشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية، وأعاد القيادة الفلسطينية إلى الأرض الفلسطينية، كما ساهم في تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها إطاراً وطنياً وإدارياً حافظ على الشخصية السياسية الفلسطينية، ومنع محاولات تذويب القضية أو اختزالها في بعدها الإنساني والمعيشي فقط، كذلك أتاح بناء مؤسسات وطنية ومدنية وصحية وتعليمية شكّلت، رغم كل الصعوبات، ركائز مهمة لصمود الفلسطينيين على أرضهم.
لكن، في المقابل، أثبتت التجربة أن “إسرائيل” لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره مدخلاً لإنهاء الاحتلال، بل باعتباره إطاراً لإدارة الصراع وفق موازين قوى مختلة بالكامل، فبدلاً من التقدم نحو إنهاء الاحتلال، تضاعف الاستيطان بصورة غير مسبوقة، وتقطّعت أوصال الضفة الغربية بالحواجز والجدران والطرق الالتفافية، فيما جرى تأجيل القضايا الجوهرية دون أي التزام زمني حقيقي، واستمرت “إسرائيل” في فرض وقائع ميدانية تتناقض مع روح الاتفاق وأهدافه المعلنة.
لقد قامت فلسفة أوسلو على مبدأ “الأرض مقابل السلام”، وعلى افتراض أن المرحلة الانتقالية ستقود إلى تسوية نهائية خلال سنوات محددة، غير أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصاً حكومات اليمين، عملت بصورة منهجية على تفريغ الاتفاق من مضمونه السياسي، والإبقاء فقط على الجوانب التي تخفف عنها أعباء الاحتلال، سواء أمنياً أم اقتصادياً.
وفي السنوات الأخيرة، بات واضحاً أن “إسرائيل” تجاوزت عملياً معظم التزاماتها الواردة في الاتفاق، فالاقتحامات العسكرية المتكررة لمناطق يفترض أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية، واستمرار التوسع الاستيطاني، واحتجاز أموال المقاصة، ومحاولات فرض الضم، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، كلها مؤشرات تؤكد أن “إسرائيل” لم تعد تتعامل مع الاتفاق باعتباره أساساً لمسار سياسي يقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
أما الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، وما رافقها من إبادة جماعية ودمار واسع وسقوط آلاف الضحايا، إلى جانب التصعيد غير المسبوق في الضفة الغربية والقدس، فقد عمّقت القناعة الفلسطينية بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتجه نحو فرض وقائع أحادية بالقوة، بعيداً عن أي أفق سياسي حقيقي أو تسوية عادلة.
ومع ذلك، فإن الموقف الوطني الفلسطيني المسؤول لا يقوم على إنكار المرحلة أو شطبها بالكامل، بل على تقييمها بموضوعية واستخلاص دروسها السياسية والوطنية، فالتجربة الفلسطينية ليست مجرد نصوص واتفاقات، بل هي مسار نضالي طويل خاضه الشعب الفلسطيني دفاعاً عن حقوقه الوطنية المشروعة، ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الانشغال بمحاكمة الماضي بقدر ما هو البحث عن استراتيجية وطنية جامعة قادرة على حماية المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة التحديات الراهنة.
لقد أفرغت “إسرائيل” اتفاق أوسلو من جوهره السياسي، لكنها أبقت على بعض جوانبه الإدارية والأمنية التي تخدم مصالحها، وهو ما خلق واقعاً معقداً ومأزوماً يحتاج إلى مراجعة وطنية شاملة تقوم على تعزيز الوحدة الفلسطينية، وإعادة بناء النظام السياسي، وتفعيل أدوات المقاومة الشعبية والدبلوماسية والقانونية، وتعزيز صمود المواطنين على أرضهم.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن أي عملية سياسية لا تستند إلى مرجعية واضحة وملزمة لإنهاء الاحتلال، ولا تحظى بضمانات دولية حقيقية، تبقى معرضة للتعطيل والانهيار تحت ضغط موازين القوى المختلة، ومع ذلك، فإن الشعب الفلسطيني، الذي حافظ على هويته الوطنية طوال عقود من الاحتلال والتشريد، ما يزال قادراً على إعادة صياغة مشروعه الوطني بما ينسجم مع تطلعاته في الحرية والاستقلال والعودة.
ويبقى الثابت الأساسي أن الحقوق الوطنية الفلسطينية ليست رهناً باتفاق أو مرحلة سياسية، بل هي حقوق تاريخية وقانونية غير قابلة للتصرف، وأن أي مسار سياسي مستقبلي يجب أن ينطلق من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وإنهاء الاحتلال بكل أشكاله.