زيارة بكين.. هل كبحت الصين جماح المتغطرس ترامب

![]()
بقلم: حسني شيلو
بدا الرئيس الأمريكي المتغطرس دونالد ترامب الذي اعتاد الإساءة لضيوفه من رؤساء الدول وقادة العالم والتقليل من شأنهم حتى امام الكاميرات مثل حمل مؤدب وخجول في حضرة مضيفه الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته الرسمية الى بكين
ترامب المهووس بداء جنون العظمة استبدل التهديد والوعيد الذي ظل يكيله ليل نهار للصين، حاول بلغة وأساليب التاجر التي يجيدها التملق للرئيس الصيني تحت رهبة القوة المتنامية ومعرفته بتحكم بكين بالعديد من الملفات الدولية عبر رؤيتها الخاصة بالعلاقات الدولية، النابعة من تنين ذو حكمة دائمة الحضور.
بكين بقيادة الرئيس بينغ تعمل وفق نظرية خاصة بالعلاقات الدولية قائمة على تعزيز التعاون القائم على المساواة والاحترام المتبادل لضمان الاستقرار في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، تسوقها بهدوء تام فبكين ليست متعجلة في امرها وتمضي مع حلفائها الدوليين في رسم ملامح النظام العالمي الجديد دون صدام فعلي بل لربما تلجأ لتقاسم مناطق النفوذ مع واشنطن ودون التخلي عن حلفائها والحفاظ على مصالحها في ملفات الطاقة وسلاسل الامداد والمعادن الثمينة، التي تنافس واشنطن بها في العديد من المناطق العالمية.
صدمة الاستقبال البارد الذي لم يعتده ترامب، ربما اجبره سريعا على إدراك حقيقة ان الصين ليست لقمة سائغة بل تساهم في رسم النظام الدولي وتؤسس عبر ادواتها مستقبله، وتحافظ على التوازن وتعالج الخلل القائم بدبلوماسية وكأن بكين تقول للعالم نحن في قلب العالم ندافع عن قيم اممية مشتركة ونوقف غطرسة منظومة ترامب، ونحافظ على مصالح الصين القومية وفي المقدمة منها تايوان.
الزيارة وتداعياتها وما حملته او حملته من رسائل، تؤكد مجددا أن الصين لاعب رئيس في استقرار النظام العالمي، وهي تعرف كيف توازن بين دورها في الساحة الدولية وحماية مصالحها من جهة، والالتزام بسياستها المعلنة في احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتتضح ملامح هذه السياسة يوما بعد يوم حتى في ذروة النزاعات في مناطق متعددة من العالم.
استطاعت الصين من خلال هذه الزيارة ان توصل رسائل متعددة للعالم وان تظهر صورتها بانها قادرة على اخماد حرائق ترامب وبذات الوقت تحافظ على التوازنات الدولية وتتأهل لقيادة جماعية تخدم مصالح الشعوب والتعايش المشترك.
وحيث يشهد عالمنا تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة في السنوات القليلة الماضية، أدت إلى بروز قوى جديدة تسعى لأداء دور محوري في النظام العالمي الجديد، وتعد الصين قوة صاعدة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، حيث تحتل مرتبة متقدمة على مستوى الاقتصاد العالمي، وتلعب دورًا محوريًا في التجارة الدولية والاستثمارات،لكنها تعتمد في السياسة الدولية على مبدأ “التعايش السلمي” وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية، وتوسيع النفوذ عبر مشاريع استراتيجية ضخمة مثل “الحزام والطريق”، وتحدي الهيمنة الغربية لتعزيز نظام عالمي متعدد الأقطاب.
علمت الصين ترامب أيضا خلال الزيارة التقاليد الدبلوماسية الخاصة بها ووجوب احترامها، وكان الزعيم الصيني أوفد نائبه، هان تشنغ، لاستقبال ترامب فور وصوله إلى بكين ، كما اتخذ الوفد المرافق للرئيس ترامب إجراءات أمنية غير مسبوقة خلال زيارته الرسمية ومنها التخلص من كافة الهدايا والمقتنيات التي تلقوها من الجانب الصيني بشكل مفاجئ قبل مغادرة بكين، في خطوة تعكس حجم التوجس الأمني الأمريكي من محاولات الاختراق أو التجسس الإلكتروني، ليؤكد قوة الصين التكنولوجية والهاجس الامني الامريكي وهو في نطاق الحرب التكنولوجية بين الطرفين.
وتظهر هذه الاجراءات الصارمة الشكوك العميقة والمتبادلة بين القطبين الاقتصاديين، واشنطن وبكين، في ظل صراع تكنولوجي وسياسي محتدم، بينهما وتعكس مخاوف الإدارة الأمريكية المتزايدة من القدرات السيبرانية الصينية.
وبين التحليلات والتوقعات وقراءات لغة الأجساد ربما لم يدرك ترامب أمور كثير اعتاد مناقشتها مع نفسه وفريقه او مع نتنياهو ان مستضيفه اظهر من خلال زيارته أن جمهورية الصين الشعبية وأن الرئيس شي جين أبرز صورة بلاده كقوة ندية للولايات المتحدة، لا يمكن تجازوها في النظام الدولي وقضاياه مهما كبرت وتعقدت.