أقلام وآراء

الشرق الأوسط يشتعل.. هل تدخل دول أوروبية الحرب؟!

 

 بقلم: خليل حمد

رسمياً، أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الانقسام الواضح إلى الساحة السياسة الأوروبية. حتى اللحظة، تراوغ فرنسا وبريطانيا وألمانيا بشأن المشاركة في العدوان رابطة الأمر بما أسمته “تضرر مصالحها” من جراء أي ضربات إيرانية دفاعية إذا توسعت المواجهة. موقف أبلغ تناقضاته إدانة بـ “أشد العبارات” للضربات الإيرانية على المصالح الأمريكية في دول الجوار العربي، دون ذكر للعدوان الذي سبب هذه الضربات!

لكن فرنسا ولندن وبرلين ليست الأشد مغالاة في دعم الحرب. دول الشرق الأوروبي ذهبت بعيداً في تبرير الحرب العدوانية، وفي دعم الحليفَين الأمريكي والإسرائيلي. وصل الأمر برئيسة الحكومة اللاتفية إفيكا سيلينا إلى الربط بين روسيا وإيران، بزعم أن النظام الإيراني “يواصل دعم العدوان الروسي في أوكرانيا”، وعليه فإن دول الشرق الأوروبي ترى في الحرب على إيران جزءاً من محاولة هزيمة روسيا في أوكرانيا.

على الجانب الآخر، ترفض إسبانيا بشدة هذه الحرب، بل إن رئيس وزرائها بيدرو سانشيز ذهب بعيداً برفض استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في جنوب البلاد، ما دفع 15 طائرة حربية لمغادرة الأراضي الإسبانية، ليتبع ذلك حملة هوجاء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلانه أنه سيقطع العلاقات مع إسبانيا رداً على موقفها. الأمر نفسه أثار الغضب الإسرائيلي ودفع وزير خارجية الاحتلال، جدعون ساعر، للقول إن رئيس الوزراء الإسباني لا يقف “في الجانب الصحيح من التاريخ”.

لكن الوقائع التي استند إليها سانشيز في معرض رفضه المشاركة في الحرب منطقية. لا يستند العدوان على إيران إلى قرار صادر عن الأمم المتحدة، ولم يحظ بموافقة الكونغرس الأميركي. هاتان الحقيقتان استندت إليهما بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي لرفض الحرب، مثل آيرلندا وسلوفينيا والدنمارك. رأي هذه الدول عبر عنه الأمين العام لمجلس أوروبا آلان بيرسيت، قائلاً إن العالم يعيش اليوم مرحلة “تفكيك النظام القانوني الدولي، وإخضاع العلاقات بين الدول للنزوات الشخصية”. نزوات ترامب الشخصية لا تبرر عدوانه وحليفه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على بلد عضو في الأمم المتحدة.

الموقف الروسي هو الأكثر عقلانية (إذا كان بالإمكان احتسابه على المواقف الأوروبية). وزير الخارجية سيرغي لافروف ربط الحرب برفض إيران التخلي عن “حقها غير القابل للتصرف” في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، محذراً من أن هذه الحرب قد تؤدي إلى صعود قوى إيرانية تنفِّذ ما لا تريده واشنطن، وما تدَّعي أنها شنت الحرب لأجله، وهو الحصول على قنبلة نووية. ذلك أن القناعة تتزايد بأن “الولايات المتحدة لا تُهاجم من يمتلكون قنابل نووية”. هذه إشارة –غير مقصودة ربما من لافروف– إلى امتلاك الاحتلال الإسرائيلي لقنبلة نووية خارج إطار القبول الدولي دون أن يتعرض لأي “استفسار” أمريكي حتى!

بالعودة إلى أوروبا الغربية، وكي نقرأ جيداً كيف يتعاطى الأمريكي مع القارة في هذه الحرب، علينا أن نحلل كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال افتتاحه اجتماعاً لمجلس الدفاع في الإليزيه بعد ساعات على بدء العدوان. قال ماكرون: “لم تبلَغ فرنسا ولم يتم إشراكها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى دول المنطقة كافة وحلفائنا”. لا تنظر واشنطن إلى دول أوروبا على أنها حليف أو شريك في أي قرار متعلق بالحرب في العالم، ولو كان هذا القرار مرتبطاً بشكل وثيق بمصالح جميع الدول، العسكرية بالتأكيد، والاقتصادية أيضاً.

عسكرياً، هناك جنود أوروبيين في دول الخليج العربي. فرنسا لديها قاعدة عسكرية دائمة في الإمارات تُعرف باسم معسكر السلام، وتضم عناصر برية وبحرية وجوية. بريطانيا تمتلك منشأة بحرية دائمة في البحرين هي HMS Juffair، وفي بعض الأحيان هناك جنود أوروبيون ضمن نفس القاعدة او المنشأة العسكرية إلى جانب جنود أمريكيين في دول الخليج (خاصة الكويت)، الأمر الذي يعرض حياة هؤلاء الجنود للخطر ضمن أي رد دفاعي من قبل إيران موجه ضد القواعد الأجنبية في الخليج العربي.

اقتصادياً، بدأت أوروبا بدفع ثمن التوتر في مضيق هرمز ومنطقة الخليج العربي ارتفاعاً بنسبة متسارعة (نحو 45% حتى لحظة إعداد هذه المادة) خصوصاً بعد قرار قطر تعليق إنتاج الغاز الطبيعي، ومنتجات البتروكيماويات عموماً. النفط أيضاً ارتفع إلى نحو 80 دولاراً للبرميل (بعد استقراره عند 65 دولاراً) بعد أقل من أسبوع على بدء الحرب، مع توقعات بوصوله إلى 100 دولار في حال استمرارها. الاقتصاد الأوروبي أكثر تأثراً بهذه المتغيرات في أسواق الطاقة نتيجة ما يصفه خبراء الاقتصاد بـ “الاعتماد البنيوي على واردات الطاقة”، والتي بلغت مثلاً في العام 2023 قرابة 60% من احتياجات القارة، وهو ما يفسر سرعة انتقال أي صدمة جيوسياسية إلى الأسعار داخل أوروبا.

الخبر المثير هو أن مصدري الطاقة الأمريكيين يسعون للاستفادة من ارتفاع الأسعار بـ 50% بعد انقطاع الإمدادات من قطر، وفقاً لصحيفة فايننشال تايمز.

استعراض الأرقام (الشائك) السابق يهدف لتفسير الأسباب التي يجب أن تجعل لأوروبا صوتاً موحداً رافضاً للحرب على إيران، أو على أي. هو منطق المصالح الذي لا يُطلب من أوروبا اليوم الامتثال لسواه. مصلحة القارة العجوز والعالم، بعد أن تضررت دولها من استعداء روسيا أهم مورِّد للغاز الطبيعي، ومن ثم تركها ترامب وسط الأزمة ليشن حرباً على إيران بالقرب من مصادر الطاقة البديلة دون أن يُخبر أبرز دولها.

ليست المرة الأولى التي تنقسم فيها أوروبا بشأن حرب أمريكية في المنطقة. المشهد يذكر تقريباً بالأوضاع التي سادت قبيل غزو العراق من قبل الأمريكيين والبريطانيين عام 2003 (وبدعم ودفع من تل أبيب)، يومها عارضت فرنسا بشدة، وقادت حملة ديبلوماسية لرفض الخيار العسكري، وانضمت إليها في الموقف السياسي ألمانيا، رغم أن الأخيرة سمحت باستخدام قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها للمشاركة في الغزو.

الفرق أن فرنسا تمتلك حق النقض “فيتو” في مجلس الأمن، وهددت وقتها باستخدامه في حال لجأت واشنطن أو لندن إلى المجلس للحصول على تفويض بشن الحرب. لا تمتلك إسبانيا نفس الحق بالتأكيد، كما أن فكرة اللجوء إلى مجلس الأمن للحصول على تفويض للعدوان من قبل واشنطن أو تل أبيب لم تكن مطروحة أصلاً!

في نهاية حرب تدمير العراق، تراجعت باريس عن معارضتها الشديدة للحرب مقابل مصالح اقتصادية وافقت عليها واشنطن، كما كان اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري والحملة التي اشتدت على سورية جزءاً من “اتفاق المصالح الجديد” بين واشنطن وباريس. يومها، كانت لا تزال هناك أصوات في الإدارة الأمريكية تعتقد بأهمية المشاركة في القرار الدولي. اليوم، تبدو واشنطن منساقة في تفردها بقرار الحرب والسلم على الصعيد الدولي دون اعتبار لحليف أو صديق، وهو ما يجب أن يكون حافزاً لجميع الدول الأوروبية كي تحذو حذو مدريد، وتخرج من تحت العباءة الأمريكية في أقرب وقت، مع الإدراك أن بإمكان ترامب قطع العلاقات مع إسبانيا، لكن ليس مع الاتحاد الأوروبي أو جميع دول القارة العجوز. هكذا فقط يمكن وضع فرامل للتعاطي الأمريكي الفوقي مع دول العالم كلها، وللتدمير الممنهج للنظام السياسي العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى