

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الخميس، إلغاء لائحة اتهام كانت قُدّمت ضد خمسة من جنوده على خلفية اعتداءٍ عنيف على أسير فلسطيني داخل معسكر الاحتجاز سيئ الصيت “سديه تيمان”، رغم أن القضية أثارت في السابق موجة إدانات واسعة بعد تسريب مقطع مصوّر يُظهر عملية تعذيب وحشية للمعتقل.
وقال جيش الاحتلال، في بيان، إن المدعي العام العسكري قرر إلغاء لائحة الاتهام “في ظل تطورات مهمة طرأت منذ تقديمها”، مشيرا إلى أن القرار جاء بعد مراجعة ما وصفه بـ”مجمل الاعتبارات والأدلة والظروف المرتبطة بالقضية”.
وبحسب البيان، فإن من بين الأسباب التي استند إليها القرار ما وصفه الجيش بـ”تعقيد البنية التي تشكلت للأدلة”، إضافة إلى الإفراج عن الأسير الفلسطيني وإعادته إلى قطاع غزة، الأمر الذي قال إنه أوجد “تعقيدات إضافية على المستوى الإثباتي”.
كما أشار الجيش إلى ما وصفه بـ”إشكالات إجرائية” تتعلق بنقل مواد تحقيق من ملف موازٍ يجري لدى الشرطة الإسرائيلية، معتبرا أن هذه الصعوبات قد تمس بما سماه “حق المتهمين في محاكمة عادلة”.
وأضاف البيان أن رئيس أركان الجيش، إيال زامير، اطّلع على القرار، وأعرب عن دعمه للمدعي العسكري، مشددا على “أهمية استقلالية النيابة العسكرية” داخل الجيش، بحسب ما جاء في البيان.
كما قال الجيش إن الضباط المتورطين في القضية كانوا قد أوقفوا عن الخدمة فور الكشف عنها، وأنه يجري حاليا استكمال فحص الإجراءات الإدارية المتعلقة بهم.
بدوره، أشاد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بإغلاق القضية، “التي شوهت سمعة إسرائيل أمام العالم بشكل غير مسبوق”، عادّا أنه “من غير المقبول أن يستغرق إغلاق هذه القضية الجنائية ضد مقاتلي الجيش الإسرائيلي، الذين يواجهون ألد أعدائنا، كل هذا الوقت”.
وكانت القضية قد تفجرت في آب/ أغسطس 2024 بعد تسريب مقطع فيديو من داخل معسكر “سديه تيمان” في النقب، يظهر جنودا إسرائيليين يتبعون لـ”القوة 100″ وهم يحيطون بأسير فلسطيني كان ممددا على الأرض ويعتدون عليه بعنف شديد أثناء استخدام دروع مكافحة الشغب.
وأظهرت المشاهد الجنود وهم يسحبون الأسير جانبا ثم يحيطون به أثناء الاعتداء عليه، وفي مرحلة معينة قام الجنود بصنع حلقة حول الأسير لحجبه عن عدسات كاميرات المراقبة، قبل أن يُنقل لاحقا لتلقي العلاج من إصابات خطيرة.
وبحسب التقارير، أقدم الجنود على ضرب المعتقل بعنف شديد بعد إحضاره إلى المنشأة في 5 تموز/ يوليو 2024، ما أسفر عن إصابته بجروح خطيرة، بينها كسور في الأضلاع وتمزق داخلي في المستقيم. كما تعرّض الأسير لاعتداءات مهينة وتعذيب قاسٍ، شملت الاغتصاب عبر إدخال عصا في منطقة حساسة من جسده.
الزغاري: قرار الاحتلال ضوء أخضر جديد لممارسة المزيد من جرائم الاغتصاب والتعذيب بحق الأسرى
وفي تعقيب على القرار، قال رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله الزغاري، مساء اليوم، إنّ قرار نيابة الاحتلال الإسرائيلي إسقاط التهم عن الجنود المتهمين باغتصاب معتقل من غزة في معسكر “سديه تيمان”، لم يكن مفاجئاً، في ظلّ حجم التواطؤ الذي رصدناه وعايناه في سياسات الجهاز القضائي للاحتلال، ولا سيما في ضوء القرارات التي صدرت عن المحكمة العليا للاحتلال بشأن التماسات تقدّمت بها مؤسسات تتابع قضايا الأسرى. وأضاف أنّ هذا التواطؤ تجلّى بصورة فجّة وغير مسبوقة في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية.
وأضاف الزغاري أنّ هذا القرار الخطير يعكس فعلياً طبيعة منظومة الاحتلال الحالية، لا سيما أنّ هذه الجرائم تتمّ بدعمٍ من أعلى هرم فيها؛ وعليه، لا يمكن التعامل مع هذه الحادثة بوصفها سلوكاً فردياً ، بل باعتبارها تعبيراً عن بنيةٍ مؤسسية قائمة، خاصة في ضوء ما شهدناه من وقع كبير لهذه الحادثة بعد الفيديو المسرب لها في “سديه تيمان“.
وأكّد الزغاري أنّ هذا القرار يشكل ضوءاً أخضر إضافياً للجنود والسجانين، بمواصلة جرائمهم بحقّ الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب، ومنها جرائم الاغتصاب التي تشكل واحدة من أبرز الجرائم التي فرضت تحولاً في قراءة مستوى التوحش بعد الإبادة في السجون، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة.
وأشار الزغاري إلى أنّ الاعتداءات الجنسية شكّلت إحدى أخطر الجرائم الممنهجة التي وثّقتها المؤسسات المختصة، بما في ذلك حالات اغتصاب، إلى جانب التفتيش العاري المهين والمذلّ، وعمليات التحرّش، والتعمّد بضرب المعتقلين على أعضاء حسّاسة، وذلك في إطار سياسات إذلال وتعذيب ممنهجة حوّلت السجون فعلياً إلى شبكة من معسكرات التعذيب
وتابع الزغاري أنّ منظومة الاحتلال الإسرائيلي، بما مارسته من توحّش وإبادة، ما تزال مستمرة حتى بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، وقد أعلنت عملياً سقوط ادعاءاتها المتعلقة بالمنظومة الحقوقية والقانونية؛ ليس فقط عبر انتهاكها الصريح للمواثيق والأعراف والاتفاقيات الدولية، وما كرسته سياسة الإفلات من العقاب على مدار عقود من الزمن وشكلت السباب المركزي بنتاج الواقع اليوم، بل أيضاً من خلال تكريس القوة والعنف كقاعدة حاكمة لسلوكها، حتى في القضايا التي ادّعت النظر فيها عبر أجهزتها القضائية.
وشدّد الزغاري على أنّ استمرار هذا الواقع لا يمسّ بالفلسطينيين وحدهم، بل يهدّد منظومة العدالة والحقوق على المستوى العالمي. وأضاف أنّ استمرار حالة العجز والتواطؤ الدوليين إزاء هذه الجرائم لن تتوقف تداعياته عند حدود فلسطين، بل ستمتدّ إلى شعوب العالم كافة، في وقتٍ لم تعد فيه النداءات والوقائع والمعطيات التي ترفعها المؤسسات الحقوقية إلى الجهات الدولية قادرة على إحداث أي اختراق حقيقي يضمن حماية الأسرى في سجون الاحتلال.