تقاير وتحقيقات

بين غضب الاحتلال واشادة الفلسطينيين.. “صحاب الأرض” يعيد دراما الواقع الى الواجهة

 

 

نقابة الصحفيين المصريين تكرم صناع العمل بحضور فلسطيني رسمي

مسلسل مصري حول العدوان على غزة يحجز مكانا في صدارة السابق الرمضاني

 

تقرير – ريحاب شعراوي –  رغم الهجوم الصهيوني الشرس وحملة التشوية التي تعرض، واصل المسلسل المصري “صحاب الأرض” حصد ملايين المشاهدات في العالم العربي مؤكدا صدارته كواحد من أضخم الإنتاجات الدرامية في السابق الرمضاني 2026 الحالي.

ومنذ الحلقة الأولى التي عرضت مع بداية الشهر الفضيل خطف المسلسل أنظار وقلوب متابعي الشاشة الصغيرة ومواقع التواصل الاجتماعي، معيدا الاعتبار للدراما التي تعالج وتطرح قضايا وطنية.

و”صحاب الأرض” مسلسل من انتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عرض يوميا خلال رمضان على مدار 15 حلقة على قناة DMC وقناة DMC دراما وعلى قناة الحياة، على منصة Watch .

يرصد هذا العمل الفني المميز، معاناة الشعب الفلسطيني الإنسانية والاجتماعية تحت الحصار، في ظل حرب الإبادة التي تشنها حكومة نتنياهو على قطاع غزة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويتناول تفاصيل من قلب الأحداث، مسلطا الضوء على قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وتدور أحداث المسلسل حول شخصية “كرمة” (تارا عبود)، التي تعيش لحظات قاسية بعد أن فرقت الحرب بينها وبين والدها (إياد نصار). الذي رغم حصوله على تصريح سفر إلى الضفة الغربية، ظل محاصرا داخل القطاع. وتتجسد مأساة التواصل في ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، حيث تحاول كرمة الاطمئنان عليه عبر مكالمات فيديو متقطعة تنتهي فجأة عقب غارة استهدفت مكان وجوده، ما يضعها في صراع بين قلقها عليه ومسؤوليتها في رعاية شقيقتيها و

شهدت الحلقة الأولى من المسلسل مشاهد تعكس حجم الفاجعة والصمود، من بينها محاولة إنقاذ الطفل “يونس”، الناجي الوحيد من عائلة ناصر، في مشهد أثار تعاطف المشاهدين. كما يسلط العمل الضوء على وصول وفد من الأطباء المصريين إلى غزة، وما واجهوه من تحديات ومواقف صعبة منذ لحظة دخولهم القطاع للمساهمة في علاج الجرحى.

ومهدت المشاهد الأولى عبر احداث متسارعة لصراع درامي عميق حول الأرض والهوية، اذا استهلت الحلقة الأولى بمشهد سينمائي مهيب يجمع كبار العائلات في القرية، حيث تفجر صراع قديم حول ملكية “الأرض الأم”. اظهرت أداء النجوم المشاركين بقوة، خاصة في مواجهة (بطل العمل) مع خصومه، مما رسم ملامح “ملحمة” اجتماعية رافقت جميع حلقاته.

ويجسد إياد نصار من خلاله شخصية دور ناصر، وهو رجل فلسطيني من غزة يمتلك مطعمًا ويتعايش مع ظروف الحرب ويلهث لإنقاذ ابن شقيقه وسط أهوال القصف، وتجسد منة شلبي شخصية “سلمى شوقي، وهي طبيبة مصرية تعمل في قسم الحالات الحرجة وصلت مع قافلة إغاثة الى غزة للإنقاذ، وفي قلب الدمار تولد علاقات حب وأمل وضمير وتتقاطع قصة حب إنسانية معقدة من مأساة الحرب.

العمل من تأليف ومعالجة وسيناريو عمار صبري، وحوار محمد هشام عبية، وإنتاج الشركة المتحدة United Studio. وإخراج بيتر ميمي، هو مخرج ومؤلف مصري، تخرج من كلية الطب بجامعة القاهرة وعمل بمجال الطب، ثم حصل على دبلوم في السينما وله عدة أفلام قصيرة، لكنه سرعان ما أخرج عدد كبير من الأفلام الروائية الطويلة.

يتميّز “صحاب الأرض” بتنوع في جنسيات أبطاله ب نخبة من النجوم من مصر وفلسطين والأردن ولبنان، ما يعكس طبيعة القصة وأحداثها الإنسانية الممتدة خارج إطار بلد واحد. من بينهم منة شلبي، إياد نصار، كامل الباشا، آدم بكري، سارة يوسف، يزن عيد، كيرا يغم، تارا عبود، عصام السقا، إياد حوراني، ديانا رحمة، والفنان الصاعد يزن عيد، الطفل سمير محمد، وعدد أخر من الفنانين وضيوف الشرف.

وأثار العمل غضب ادوات الاحتلال فور انطلاق حملته الترويجية، وناقشت هيئة البث الإسرائيلية العمل، حيث زعمت مراسلة الشؤون العربية، أنستاسيا ستوكانوف، أن المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية، ويتبنى وجهة نظر أحادية الجانب.

وقالت القناة 12 العبرية أن قرار إنتاج “صحاب الأرض” وبثه على التلفزيون المصري الرسمي ينظر إليه في إسرائيل كخطوة سياسية محسوبة.

وذكرت صحيفة “يديعوت احرونوت” إن المسلسل يضم طاقم ممثلين كبيرا، من بينهم آدم بكري، نجل محمد بكري مخرج الفيلم المناهض لإسرائيل “جنين جنين” وفي الإعلانات الترويجية للمسلسل يوصف بكري بأنه “ابن يافا” الذي وصل إلى قمم السينما والتلفزيون، وتوقعت ان يحظى بمشاهدة عشرات الملايين.

وبدا العمل الذي يتناول جانبًا من وقائع الترهيب والتنكيل بالفلسطينيين، كشوكة في ظهر الاحتلال، بعدما نقل بالصوت والصورة ما يحاول طمسه أو تزييفه، وانتقدته المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي إيلا واوية، في مشهد عكس حجم القلق الذي أثاره.

وقالت المتحدثة بعامية مصرية ركيكة: الفن رسالة بس لما يبقى نضيف وغير كدا غسيل عقول وتزييف حقائق.. والتحريض مش بس هتاف وكلام عالي، دا ممكن يكون مسلسل ومشهد تفصيلي وقصة معمولة علشان تقلب القاتل ضحية، والضحية متهم، المسلسل مش دراما ده تزوير تاريخ على عينك يا تاجر وتشويه متعمد وتمثيل رخيص للحقيقة، اللي بجد أصحاب الأرض هم اللي دافعوا عن أرضهم وعلى أولادهم وبيوتهم، وخليكوا جدعان واسردوا الحقيقة كلها.

وفي المقابل، حظي المسلسل بتفاعل فلسطيني لافت وخصوصا من قبل أهالي غزة عبر تعليقات واشادة قالت إنه جسد جزءا من معاناتهم وذكرياتهم المؤلمة وفظائع الاحتلال.

وغرد شاب: “افتخر بهذا العمل، هنا مشاعر إنسانية حقيقية جددت فينا الغضب والنحيب، جرح غائر لازال نازفا، وقلب مكسور لا مداوي له سوى الله” خاصة أنه على مدار عامين الحرب غاب مشهد غزة عن السينما والدراما، وكنت أتساءل دائما ألا يرتقي ما حدث في غزة الى أن يوثق بآلاف الأفلام والمسلسلات؟

وكتب آخر: شكرا لـ مصر ولرئيسها وشعبها بنحبك يا مصر، شكرا لمن بوصل معاناتنا، المسلسل اظهر لقصف والنزوح والجوع والأسر وخوف الأطفال.. حرفيا، والمشاهد دي شفناها لايف بتقنيه الـ 4k لمدة سنتين مفيش أي عمل فني يقدر يحاكي بشاعة الحقيقة ومرها»، وغيرها.

وقال الناشط الفلسطيني محمود زعيتر إن أول مشاهد القصف فى مسلسل صحاب الأرض أعادت إليه مشاعر الاختناق والخوف، مضيفًا أنه شعر وكأن الضربة تحدث أمامه في اللحظة نفسها.

وأوضح أن المسلسل يمثل قصة تشبه حياته وحياة عائلته وأقاربه ويعيد إحياء ذكريات صعبة لا يزال يعيش آثارها.

ووجه فادي، رسالة إلى الفنان إياد نصار، لشكره عما بذله في مسلسل صحاب الأرض، وقال: “أستاذ إياد أنا ببعت بشكر على ما قدمته في مسلسل صحاب الارض الذي يوثق ولو جزء بسيط من المعاناة وما مررنا به”.

وتابع الشاب عبر مقطع فيديو: “احنا سعداء جدا أنه فيه حدا يتحدث عنا بشكل حقيقي وبلسانا. كل الشكر لك ولإخوتنا في مصر ولمصر كدولة على هذا العمل الرائع”.

وفيما كرمت نقابة الصحفيين المصريين، المسلسل عبر أمسية رمضانية استضافتها بمقرها تحت عنوان: “صحاب الأرض بين الدراما والسياسة.. وغزة بين إعادة الإعمار وإعادة التشكل الجيوسياسي”، بحضور المستشار الثقافي لسفارة دولة فلسطين بالقاهرة ناجي الناجي، ونقيب الصحفيين المصري خالد البلشي، وممثلين عن وسائل الإعلام المصرية. ضمن رد مصري على الهجوم الإسرائيلي

ذكرت قناة “الحياة” في تقرير لها، أن المسلسل “أثار قلقا واضحا داخل دوائر الإعلام الإسرائيلية”، حيث هاجم الإعلام العبري المسلسل واعتبره “تهديدا لصورة تل أبيب أمام الرأي العام العالمي”. كما هاجم الموقف المصري الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية، مشيرا إلى أن “أصحاب الأرض حقيقة تستحق أن تروى”.

وعلق بيتر ميمي مخرج “صحاب الأرض” على تصريحات المتحدثة باسم جيش الاحتلال قائلا انه أنفق وقتا طويلا في البحث عن ممثله تشببها لفضح زيف تعليقاتها.

وقال الكاتب والسيناريست عمار صبرى، مؤلف “صحاب الأرض” أن الرسالة الأساسية للمسلسل هي التوثيق الدرامي لما يشهده العالم على الهواء مباشرة من جرائم بحق الشعب الفلسطيني

وتحدث عن السجال الدائر حول المسلسل، قائلاً لـ “الشرق الأوسط”: جيش الاحتلال يحاول الحفاظ على سردية تحكي الأحداث وكأنهم مجني عليهم، وأن الأحداث بدأت في السابع من أكتوبر فقط، إذ يعتمدون على أن شريط الأخبار ليس دائماً، وأن الناس تنسى مع توالي الأخبار.

وأضاف: “العمل الفني هو وثيقة موجودة وثابتة يعيش الناس ويشعرون من خلالها، بعكس نشرة الأخبار التي تخص الباحث أكثر، وذلك في الوقت التي يحكي فيه (الكيان)، الحكاية من وجهة نظره، وينفق الكثير على أعمال عالمية تعرض سردية تخصه، وحينما يأتي عمل عربي يقدم سردية مختلفة ولها تأثير وتستعرض جرائمهم الموثقة فإن ذلك يشعره بهزة قوية”.

وتابع، جيش الاحتلال يدرك أهمية عمل درامي يكشف الحقيقة، ويعيد تشكيل الوعي مرة ثانية ويضع جرائمهم أمام أجيال لم تر الحدث نفسه، لذلك فمحاولة الهجوم والتشكيك مفهومة».

وعن كواليس “صحاب الأرض”، لفت صبري إلى «أن الفكرة بدأت من قبل الشركة المتحدة، التي رغبت في تقديم عمل عن حرب الإبادة في غزة، وتم البدء بكتابة المعالجة في سبتمبر (أيلول)، الماضي».

ويرى مؤلف العمل أنه «كان يسهل تقديم العمل من منظور حربي أو سياسي، لكن هدفنا كان المنظور الإنساني، وتقديم معاناة الإنسان الفلسطيني في ظل الحرب، فنحن لا نتحدث عن الحرب بقدر ما نتحدث عن وقعها على البشر، فقد كان من المهم السرد دون مبالغة، والسير وفقاً للبوصلة، والابتعاد عن سرد الأحداث التي شاهدها الناس في الأخبار، ووضع المشاهد في لحظة الاختيار وكأنه داخل الحدث».

ووجهت الفنانة رانيا فريد شوقي رسالة إشادة خاصة لصناع المسلسل من خلال صفحتها الرسمية عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وكتبت: «رغم كل اللي عشناه وشوفناه بعنينا على السوشيال ميديا من وجع ودمار وصور قاسية، بتيجي الدراما الحقيقية في توقيت فارق ومهم جداً عشان تنظم الفوضى دي وتحولها لرسالة حية.. للعالم وللتاريخ مسلسل أصحاب الأرض في رمضان 2026 جاي يفتح الستار عن اللي الكاميرات مالحقتش توثقه».

وأضافت الفنانة: «كل التقدير للشركة المتحدة وصناع العمل إنهم اختاروا المواجهة في اللحظة الصح، وبحقائق توجع وتصحي الوعي. لما الدراما بتقدم وثيقة حق وبتحول الوجع لرسالة كرامة، وبتفضح بشاعة الظلم في قلب كل جيل جديد.. هي دي مصر، ودي عظمة الفن المصري اللي دايمًا بيفضل السند، واللسان اللي بينطق باسم فلسطين بصدق مبيعرفش يداهن، وبيحكي الحكاية زي ما هي.. بدمها، بصمودها، وبكرامتها اللي مابتنكسرش، ​الحكاية لسه مخلصتش.. وفلسطين لأصحابها، وبأذن الله هما اللي يكتبوا النهاية».

بدوره كتب جهاد الدينار بيتر ميمي “كلمة السر” في نجاح الدراما الوطنية، من “الاختيار” إلى “صحاب الأرض” توثيق وتأريخ وتوعية

وكان عبّر الفنان كامل الباشا عن عمق الرسالة التي يحملها العمل، مؤكدا أن مشاهد الدمار والألم لا تغادر الممثلين بمجرد مغادرتهم مواقع التصوير. وأشار إلى أن القصة لا تنتهي بانتهاء العمل الدرامي، بل تظل تجسيدا لإصرار أهل غزة على مواصلة الحياة والصمود، في ظل واقع إنساني يفرض الحاجة إلى الدعم والمؤازرة أكثر من أي وقت مضى.

ويعكس التفاعل حجم التأثير الذي تتركه الأعمال الدرامية الواقعية عندما تقترب من تجارب إنسانية حقيقية، خاصة في ظل استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة. حيث لفت المسلسل الأنظار بقصته الاجتماعية المشوقة وأحداثه المتصاعدة التي تعكس صراعات الواقع وتحدياته. يتناول المسلسل قضايا ترتبط بالأرض والهوية والانتماء، ليبقى “|صحاب الأرض” واحداً من أبرز الأعمال الدرامية المصرية لعام 2026.

 

زر الذهاب إلى الأعلى