أقلام وآراء

بين جزيرة ابستين والمشروع الصهيوني .. الإمارات تبحث عن أدوار أكبر منها

 

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

في نظرة شاملة لواقع المنطقة العربية منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية ورسم خرائط الدول وتنصيب انظمتها، مرت المنطقة ودولها بمراحل متعددة شهدت خلالها كل أصناف الخلافات والتوافقات والتحالفات والصراعات.  لكن ما كان يشكل قاسما مشتركا بين هذه الدول لفترة زمنية غير قصيرة، هو اعتبارها دولة الاحتلال عدوا، واجماعها على اعتبار القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية الجامعة. لكن سلسلة التحولات والمتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات القليلة الأخيرة نزعت القناع عن وجوه قادة بعض هذه الدول لا سيما تلك حديثة النشأة والتي استيقظ ساكنوها في اواسط سبعينيات القرن الماضي ليجدوا أنهم أصبحوا “دولة”، وأن أرض هذه الدولة تختزن في باطنها الخيرات والثروات، لكنها فاقدة للولادة الطبيعية التي تتطلب تراثا واضحا وتاريخا جامعا.

وإذا ما عدنا إلى علم النفس لمحاولة فهم تجاوز هذه الدول للأجماع العام ووحدة الموقف وحتى لمفاهيم العدالة ومنها عدالة قضية شعبنا الفلسطيني رغم ادعاءهم ذلك، فإنه يفسر هذا السلوك بمحاولة بحث الدول حديثة النشأة عن أدوار أكبر منها(تضخيم الدور) كسلوك تعويضي عن عقدة نقص جماعية، أو رغبة في إثبات الذات بهدف التعويض أيضا عن غياب التراث والتاريخ، بالقفز فوق مراحل التطور الطبيعي واثبات “الأنا”، مما يسهل على الأعداء النفاذ إلى قلب هذا النظام واستخدامه أداة لتحقيق مخططاته وتنفيذ مشاريعه، وان كان على حساب شعوب المنطقة وجغرافيتها وقضاياها العادلة.

أما شعوب المنطقة، فيمكنها أن تتوقع ارتكاب العدو لأبشع المجازر، فهو عدو ومن طبعه التدمير والقتل والتهجير، كما يمكنها ان تتوقع مدى الدعم الامريكي الذي يصل إلى حد الشراكة الفعلية بحكم الترابط العضوي بين الطرفين. كذلك يمكنها أن تتفهم طبيعة الظروف في مرحلة ما والتي دفعت دولا كمصر والأردن لتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل دون أن تتمكن دولة الاحتلال من فرض التطبيع مع شعوب هذه الدول رغم مرور عشرات السنوات على توقيع تلك الاتفاقيات، وفشلت كل محاولاتها للاندماج والتغلغل في مجتمعاتها. فالشعوب التي عايشت مختلف مراحل التطور البشري من العبودية إلى الاقطاع بكل أشكاله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الدينية، وانخرطت في مراحل معينة بالمد القومي واليساري، وناضلت من اجل حريتها ودفعت الأثمان الباهظة، يتجذر في عمقها مفهوم الانتماء ويصعب على العدو اختراقها بالاندماج والتطبيع، مع الإدراك بأن هذه الشعوب تكون الأكثر جنوحا نحو السلام شرط أن يكون سلاما عادلا يؤمن الحقوق الوطنية لشعب فلسطين، لأن قضيتنا وبحكم الانتماء، أصبحت القضية المركزية لتلك الشعوب، ولذلك فالرهان كبير على الدول العربية التي تقف عقبة أمام مخطط التهجير، وتعمل على تجسيد قيام الدولة الفلسطينية وكبح جماح دولة الاحتلال وادواتها في المنطقة.

أما المناطق التي استيقظت فجأة على دولة، فإنها لا تتورع عن سلوك أي طريق وركوب أي قطار لإرضاء عقدة “الأنا “ولو مر هذا القطار عبر جزيرة ابستين السيئة الذكر وكان المشروع الصهيوني الكبير محطته المقصودة. فقد شكلت لعنة ملفات جيفري ابستين في الولايات المتحدة الأمريكية وصمة عار موثقة للمنحرفين أخلاقيات وانسانيا واجتماعيا وسياسيا في دول شتى ومنها الإمارات.

فقد نشر موقع وكالة بلومبيرغ تقريرا يسلط الضوء على العلاقة العميقة والمثيرة للجدل بين سلطان أحمد بن سليم رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية والممول الامريكي المدان  بجرائم جنسية جيفري ابستين، مبينا كيف حافظ بن سليم على تواصل وثيق مع ابستين لأكثر من عقد رغم إدانة الاخير عام ٢٠٠٨ بتهم استغلال قاصرين وقاصرات في الدعارة، وكيف استغل ابستين هذا النفوذ لبناء شبكة واسعة من الأثرياء والمؤثرين في عالم المال والسياسية، كما لعب ابستين دورا بارزا في ربط بن سليم بشبكة من النافذين، حيث برز الأخير كلاعب مؤثر في التجارة العالمية والعقارات من خلال اشرافه على “موانئ دبي العالمية” وحضوره الدائم في منتدى دافوس.  هذا الانكشاف لأحد رموز هذه “الدولة” والذي تكشف بعد إفراج وزارة العدل الأمريكية عن وثائق ابستين، دفع بصندوق الإيداع والاستثمار في كيبيك في كندا، وهو أحد أبرز صناديق التقاعد في العالم، للإعلان عن التجميد الكامل لأي صفقات جديدة أو ضخ لرأسمال إضافي لموانئ دبي العالمية. فمنذ الكشف عن ملفات ابستين، استقال عشرات المسؤولين في جميع أنحاء العالم ممن ذكرت أسماؤهم في الملف إلا سلطان بن سليم المقرب جدا من حكام الإمارات، لم يستقل بل وما زال يظهر في الاحتفالات الرسمية معززا مبجلا، رغم أن الصندوق الكندي كان قد طالب بتوضيحات شفافة واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن سلوك الإدارة العليا لموانئ دبي. كذلك ذكرت بلومبيرغ في تقريرين منفصلين أن “بريتيش انترناشونال انفستمنت ” البريطانية للتنمية والتمويل البالغة قيمتها ١٣،٦ مليار دولار والمملوكة بالكامل لحكومة المملكة المتحدة أعلنت تعليق استثماراتها مع موانئ دبي العالمية بسبب ما وصفته بالتصريحات المروعة الواردة في ملفات ابستين. وبن سليم ليس الوحيد في جوقة ابستين الإماراتية، هناك أيضا هند العويس مثال الدبلوماسية الإماراتية التي لطالما حاضرت بالعفة والدفاع عن حقوق المرأة، كانت تزود ابستين بالقاصرات استنادا إلى عدد من التقارير التي تشير الى المراسلات بينها وبين ابستين.

وعلى الصعيد الجيوسياسي أيضا حاولت الامارات لعب ادوار أكبر منها وبأية وسيلة وان كانت بالتحالف مع دولة الاحتلال، لخلق نفوذ في دول المنطقة من خلال دعم جماعات انفصالية في اليمن والسودان وليبيا وارض الصومال وغيرها، في تناغم مع المشروع الصهيوني الهادف إلى تقسيم دول المنطقة وشرذمتها، ومحاصرة الدول صاحبة التأثير على الصعيد الاقليمي والدولي.

لكن يبدو ان هذه الكرة المنتفخة آخذة بالانحسار بعد أن بدأ هذا الانتفاخ يشكل خطرا على الأمن القومي لدول المنطقة والتي وجدت نفسها مضطرة لاستخدام القوة ولو بشكل محدود لإخراجها من اليمن، ودعمت الجيش السوداني في مواجهة أدواتها الانفصالية.

لقد أثبتت الوقائع والتجارب أن دولة الاحتلال تتخلى عن ادواتها عند أول منعطف أو عند استنفاذ أهدافها منه. ويبقى الرهان على شعبنا وارادته بالثبات والصمود لتحقيق اهدافه الوطنية، وعلى الدول الملتزمة بقضية شعبنا وعلى الشعوب التي لن تتخلى عن الشعب الفلسطيني وحقه بالحرية وفي إقامة دولته المستقلة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى