اختبار السلام من مجلس يغيب عنه الفلسطيني صاحب المصلحة


بقلم: د. أحمد مجدلاني
في لحظة دولية تتزاحم فيها المبادرات وتتشابك فيها المصالح الكونية والإقليمية، عقد ما يسمّى “مجلس السلام” اجتماعه الأول بغياب دولة فلسطين صاحب المصلحة الحقيقة للسلام، وذلك كمحاولة أمريكية لإعادة ضبط إيقاع المشهد الدولي والإقليمي من بوابة التسويات الكبرى على مقاس المصالح الأمريكية، غير أنّ قيمة أي إطار سياسي لا تقاس ببريق الإعلان عنه، ولا بالحشد المشارك فيه بصرف النظر عن وزن وقيمة الأطراف المشاركة، بل بقدرته على معالجة جذور الصراع وفي الجوهر منها إنهاء الأحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية وبقية الأراضي العربية، لا الاكتفاء بإدارة مظاهره أو إعادة تدوير أزماته وإنتاجها.
انّ القراءة الواقعية تفرض التحذير من الرهان على أوهام أمريكية أثبتت التجربة محدوديتها، ولا سيما حين تتحول المبادرات إلى أدوات تخدم أولويات إسرائيل السياسية والأمنية، أو إلى مظلات تستخدم لإنقاذ قيادتها من أزماتها الداخلية والخارجية، فالمشاريع التي تقدّم بوصفها “خطط سلام” قد تنتهي، عملياً، إلى إعادة إنتاج اختلال موازين القوة وتكريس الهيمنة الاستعمارية، وتوفير غطاء سياسي لسياسات قائمة جوهرها الضم وإنهاء حل الدولتين المتفق عليه دوليا.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن “مجلس السلام” ولد وسط تساؤلات جدّية حول طبيعة الشراكة التي يقوم عليها، فتراجع الحضور الأوروبي، والاكتفاء بتمثيل محدود أو رمزي لا تفويض له، لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل مؤشراً على خلل في تعريف الدور وتوزيع مراكز القوة والنفوذ، فأوروبا، التي قبلت لسنوات طويلة موقع المموّل في ملفات الشرق الأوسط، تدرك أن السلام لا يصنع بمن يدفع الكلفة فقط، بل بمن يشارك في صنع القرار، وأي تجاهل لهذا التوازن يعيد إنتاج أزمة الثقة ذاتها التي عطّلت مبادرات سابقة.
على مستوى التركيبة، لا تدخل الدول المشاركة المجلس باعتباره منصة شكلية، بل ساحة لحسابات دقيقة، فالدول العربية والإسلامية، على وجه الخصوص، انخرطت في هذا المسار انطلاقاً من قناعة مفادها أن الضغط الأمريكي، إن توافرت الإرادة السياسية فيه، قادر على كبح السياسات الإسرائيلية وفتح أفق سياسي جاد لمسار سياسي يؤدي لآستعادة العملية السياسية والتفاوضية لتنفيذ حل الدولتين طبقا لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، غير أن هذه المشاركة ينبغي ان لا تكون تفويضاً مفتوحا، بل رهان مشروط بنتائج ملموسة تقاس بالأفعال لا بالتصريحات.
في المقابل، تبدو إسرائيل حاضرة بدافع مختلف؛ فانضمامها يمنحها فرصة التأثير في مسار القرارات من الداخل، ويخفف عنها وطأة العزلة المتنامية ، غير أنّ التجربة تظهر أنها تجيد توظيف الأطر الدولية لاحتواء الضغوط لا الامتثال لها ، ومن دون التزامات واضحة وقابلة للقياس ، يتحول أي إطار جماعي إلى مساحة تعطيل مبطّن ، تفرّغ فيها القرارات من مضمونها قبل أن ترى النور ، والخلل الأعمق لا يتصل بالبنية التنظيمية لما يسمّى مجلس السلام الغائب الأكبر فيه صاحب الشأن دولة فلسطين ، بل بمقاربته السياسية ، فالفصل بين مساري قطاع غزة والضفة الغربية يعيد إنتاج خطأ استراتيجي؛ إذ إن ما يجري في الضفة الغربية ليس تفصيلاً إدارياً، بل مساراً متسارعاً لفرض وقائع إحتلالية استعمارية تمسّ جوهر القضية الفلسطينية، ولا يمكن الحديث عن “سلام شامل ” في ظل تجاهل سياسات الاستيطان التوسعية وتغيير معالم الأرض بالضم الصامت والمتدحرج، وكأن المسألة محصورة في ترتيبات إنسانية هنا أو تهدئة مؤقتة هناك.
السلام العادل والشامل يقتضي معياراً واحداً يطبّق على الجميع، ويستلزم إرادة سياسية لا تسمح بازدواجية المعايير، فإذا بقي هذا المجلس إطاراً لإدارة التهدئة دون معالجة جذور الصراع وبغياب الممثل م.ت.ف. الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فسيظل يدور في حلقة مفرغة تعيد انتاج وتكريس واقع تقسيم وفصل قطاع غزة عن الأرض الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني، والاختبار الحقيقي له لن يكون في بياناته ولا في عناوينه العريضة، بل في قدرته على ترجمة التعهدات إلى قرارات متوازنة تنفّذ على الأرض.
الإعلان عن الإطار التنسيقي ما بين المجلس التنفيذي للسلام، والسلطة الوطنية الفلسطينية لضمان الوحدة العضوية والقانونية والسياسية والإدارية والمالية والأمنية، يشكل الخطوة الأولى وليست الأخيرة لتصويب الخلل القائم بدور دولة فلسطينية في اليوم التالي لانتهاء المرحلة الأنتقالية وتوفير ضمانات انتهائها بعامين وحتى لا تصبح نهائية ويتكرس فيها الفصل بغطاء سياسي فلسطيني.
لقد أثبتت التجارب أن الاستقرار في المنطقة يبدأ من الاعتراف الواقعي والعملي بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة على الأرض المحتلة بالرابع من حزيران 1967 بما في ذلك القدس الشرقية، ومن دون ذلك، ستبقى المبادرات تدور في فلك إدارة الصراع لا حله، وسيظل السلام وعداً مؤجلاً، ما لم تتحول الإرادة السياسية من إدارة الأزمة إلى إنهاء أسبابها.