نعم لدستور يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية


بقلم: ناصيف معلم
تسلم الرئيس محمود عباس المسودة الدستورية الخامسة من رئيس اللجنة الدستورية المستشار الدكتور محمد الحاج قاسم وأعضاء اللجنة، وذلك بعد أربعة أشهر من العمل الجاد من قبل اللجنة ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية
ورغم ان هذه المسودة تضمنت موادا جيدة ومتطورة مقارنة بسابقتها، إلا أنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى طموحات المجتمع المدني الفلسطيني الذي ينادي بتطوير المواد لتتماشى مع سقف المرجعيات الفلسطينية والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقعت عليها فلسطين.
ان هذا الإنجاز الدستوري لم يكن ليتحقق لولا جهود “الجنود المجهولين” الذين عملوا على الجبهة الدستورية منذ عام 2003، وعلى رأسهم المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية بكافة هيئاته العاملة وطواقمه ومتطوعيه، ولا سيما “لجنة الظل الدستورية الشبابية” (لجنة الظل)، التي أعدت نسختين من “الدستور الذي نريد لفلسطين”، والتقى أعضاؤها مع اللجنة الدستورية السابقة برئاسة رئيس المجلس الوطني الراحل د. سليم الزعنون.
من واجبي، وباسم المركز الفلسطيني، الإشادة بجهد كل من ساهم في هذه المسيرة الدستورية على مدار 23 عاماً، حيث بدأ التزامنا عام 2003، عندما وصف عملنا آنذاك بأنه “خارج السرب”، لكن إيماننا الراسخ بأهمية الدستور في تأسيس الدولة التي نحلم بها، ومنعاً لترك الساحة لقوى أخرى، جعلنا نصر على أن نكون جزءاً أصيلاً من هذه العملية.
بدأنا بالمشاركة الفاعلة في جلسات نقاش ومساءلة اللجنة الدستورية الأولى برئاسة د. نبيل شعث، بدعوة من المركز الفلسطيني للأبحاث السياسية والمسحية، ورغم الوعود في حينه من قبل نائب رئيس اللجنة الدستورية د. أحمد الخالدي، بقيت التعديلات التي تمت بسيطة وبعيدة عن الجوهر الذي نطالب به كمؤسسات أهلية وأحزاب ونشطاء.
ونظراً لبطء التغيير وتراجع نشاط اللجنة الدستورية الرسمية، قمنا في المركز الفلسطيني بتغيير استراتيجيتنا، فبدلاً من الاكتفاء بالنقاش، قمنا عام 2012 بتدريب فريق من القانونيين والسياسيين الشباب وشكلنا “لجنة الظل الدستورية الشبابية”، ونجحت هذه اللجنة في إصدار مسودتها الأولى للدستور الفلسطيني، وتم توزيع ألف نسخة منها لجمع الملاحظات، لتصدر بعدها المسودة الثانية نهاية عام 2013 بعد دمج كم هائل من الملاحظات الواردة.
لم نتوقف عند الإصدار، وتواصلنا مع اللجنة الدستورية الرسمية وطرحنا سؤالين: رأيها في مسودتنا، ومطالبتنا بعضوية نسائية وحزبية تمثيلية في اللجنة، وسعدنا بإدماج النساء وممثلي الأحزاب لاحقاً، ولإيصال صوتنا بقوة، تظاهرنا عام 2015 أمام مقر المجلس الوطني أثناء اجتماع اللجنة، وسلمنا نسخاً من “الدستور الذي نريد لفلسطين”، وتم على الفور دعوة شاب وشابة من أعضاء لجنة الظل لتقديم ملخص عن مسودتهم والإجابة على أسئلة أعضاء اللجنة الرسمية داخل قاعة الاجتماعات.
بعد عام 2018، تراجع نشاط اللجنة الدستورية الرسمية، فَصَعَدنا نحن في المركز من جهودنا عبر العديد من المحاضرات وورش العمل والمبادرات الميدانية لنشر الوعي الدستوري ومطالبة تفعيل اللجنة، وعلى الرغم من نجاحنا في عقد جلسات مساءلة مع ثلاثة من أعضائها، إلا أن ذلك أكد لنا تراجع أولوية الملف الدستوري على الأجندة الوطنية.
استمر هذا الوضع حتى العام الثاني من الحرب على غزة، عندما أصدر الرئيس مرسوماً بتشكيل لجنة دستورية جديدة تضم قانونيين ومهنيين وممثلين عن الفصائل لإعداد دستور مؤقت، واصل المركز متابعة عمل اللجنة الجديدة عن كثب، وحضر اجتماعات معها، كما شارك بفعالية في لقاءات مؤسسات المجتمع المدني التي قدمت ملاحظاتها على المسودة الخامسة منذ بداية العمل حتى تسليمها النهائي للرئيس يوم 5 فبراير/شباط 2026.
في الختام، نحن لسنا راضين عن كافة مواد النسخة الأخيرة من الدستور المؤقت، لكننا نؤكد أن عدداً كبيراً من ملاحظاتنا واقتراحاتنا قد أخذ بها في مواد مختلفة، وهذا يثبت جدوى وأهمية عمل المركز الفلسطيني والمجتمع المدني خلال العقدين الماضيين، وقدرتهما على التأثير في السياسات والمساهمة في الإصلاحات.
أخيراً، أتقدم بجزيل الشكر لأعضاء لجنة الظل الدستورية الشبابية والعاملين والمتدربين والمتطوعين وهيئات العمل في المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية، وأحييهم على إنجازاتهم، ولكن مهمتنا لم تنته بعد، فالطريق ما زال وعراً. وعلينا أن نعد للمطالبة بالمزيد من العمل لرفع سقف دستورنا المستقبلي ليواكب سقف وثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988، ويتماشى مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقعتها فلسطين، لتأسيس دولة مدنية ديمقراطية حقيقية تلتزم بالعدالة الاجتماعية والمساواة لجميع مواطنيها دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو الرأي أو العقيدة.