ضم مناطق ( A و B ).. مشروع يهدد بإنهاء أوسلو ويفتح أخطر فصول الصراع


بقلم: د. معتصم عادل محسن
لم يعد الحديث داخل الساحة السياسية الإسرائيلية عن فرض السيادة مقتصراً على المستوطنات أو المنطقة المصنفة ” C “، بل تجاوز ذلك إلى طرح مشاريع وأفكار تدعو إلى بسط السيطرة على كامل الضفة الغربية، بما في ذلك مناطق ” A ” و ” B ” قلب المدن الفلسطينية ومراكزها السكانية والسياسية. وإذا ما تحولت هذه الطروحات إلى واقع، فلن تكون المنطقة أمام خطوة إدارية أو قانونية، بل تحول جذري ينهي اتفاق أوسلو فعلياً ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع المفتوح.
لقد وُلد تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق A وB وC كحل مؤقت في إطار اتفاق أوسلو، يفترض أن يقود إلى تسوية سياسية نهائية، لكن ما كان مؤقتًا أصبح واقعاً دائماً، ومع صعود اليمين الإسرائيلي وتراجع فرص التسوية، تحولت فكرة الضم الى شعار سياسي يزداد حضوراً في الخطاب العام، ما يعني نسف الإطار الإداري والسياسي الذي قام عليه أوسلو، وتحويل العلاقة من شراكة انتقالية إلى سيطرة أحادية
تشمل مناطق A وB المدن الكبرى والتجمعات السكانية، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين وتتمركز مؤسسات الحكم المحلي والبنية الإدارية، وضم هذه المناطق لا يتعلق فقط بالسيطرة على الأرض، بل بإعادة تعريف العلاقة مع السكان أنفسهم: من يدير حياتهم اليومية؟ وطبيعة حقوقهم السياسية؟ وكيف سيُعاد تشكيل النظام القانوني الذي يحكمهم؟ هذه الأسئلة ليست تقنية، بل وجودية، تمس هوية الحكم ومستقبل الكيان الفلسطيني.
في الرواية الإسرائيلية المؤيدة للضم، تُطرح السيادة بوصفها ضرورة أمنية وخطوة تاريخية لتثبيت السيطرة ومنع ” الفراغ السياسي”، يرى أنصار هذا التوجه أن التقسيم الإداري الحالي خلق واقعاً هشاً ومعقداً، وأن فرض السيادة سيحسم حالة “اللايقين “. فيما يرى الفلسطينيون الخطوة علاناً صريحاً لإنهاء أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وأنها ستُحوّل الصراع من نزاع على حدود إلى صراع على الحقوق السياسية والوجود المدني داخل مساحة واحدة.
إن خطورة الحديث عن ضم مناطق A وB تكمن في أنه قد يتم دون إعلان عسكري صريح، عبر قرارات سياسية وتشريعية تدريجية تفرض واقعاً جديداً على الأرض.
وفي هذه الحالة، لن يكون هناك “حدث واحد” يعتبر نقطة تحوّل، بل عملية بطيئة تعيد رسم الجغرافيا السياسية وتخلق وقائع يصعب التراجع عنها، وهي ما يمكن القول عنه استراتيجية فرض الأمر الواقع، حيث تتحول المدن الفلسطينية إلى مناطق خاضعة لمنظومة سيطرة مختلفة بالكامل.
لقد أثار هذا القرار ادانات واسعة من المجتمع الدولي، فغالبية المجتمع الدولي لا تعترف بضم الأراضي المحتلة وترى في أي خطوة أحادية انتهاكًا للقانون الدولي ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. ومع ذلك، فإن التجربة تشير إلى أن الإدانات السياسية لا تُترجم دائماً إلى إجراءات عملية. وهذا ما يثير مخاوف من أن يتحول الضم – إن حدث – إلى واقع دائم يُقبل تدريجياً بحكم الأمر الواقع، رغم رفضه القانوني النظري.
ضم مناطق A وB لن يبقى مسألة فلسطينية إسرائيلية فقط، بل سيهز بنية الإقليم سياسياً وأمنياً، فالقضية الفلسطينية تمثل عنصراً مركزياً في الاستقرار الإقليمي، وأي خطوة تُفسر كإنهاء لحل الدولتين قد تعيد إشعال توترات سياسية وشعبية في المنطقة. كما قد تواجه إسرائيل تحديات ديموغرافية وقانونية غير مسبوقة إذا أصبحت مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة حياة ملايين الفلسطينيين داخل مناطق كانت تُدار ذاتيًا.
وإذا تحقق ضم يشمل مناطق A وB، فإن ذلك لن يكون مجرد تعديل إداري أو خطوة سياسية عابرة، بل إعلاناً فعلياً بانتهاء مرحلة كاملة من تاريخ الصراع. وسيتحول النزاع من مفاوضات على حدود مستقبلية إلى مواجهة حول الحقوق والهوية والتمثيل السياسي داخل واقع جغرافي واحد.
وقد تجد المنطقة نفسها أمام سؤال لم يُطرح بهذا الوضوح منذ عقود: هل نحن أمام نهاية مشروع الدولتين وبداية مرحلة جديدة لم تتشكل ملامحها بعد؟
من هنا نرى أن الحديث عن ضم مناطق A وB ليس مجرد خطاب انتخابي أو طرح نظري، بل مؤشر على تحولات عميقة في التفكير السياسي الإسرائيلي حول مستقبل الضفة الغربية.
وبين خطاب السيادة الذي يسعى إلى فرض واقع نهائي، ورفض فلسطيني يرى في ذلك إلغاءً لحق تقرير المصير، تقف المنطقة على حافة لحظة تاريخية قد تعيد تعريف الصراع لعقود قادمة، وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي، يبقى السؤال الأكبر: هل يتجه الشرق الأوسط نحو تسوية جديدة؟ أم نحو مرحلة طويلة من الصراع المفتوح تحت عنوان السيادة المفروضة بالقوة؟