أقلام وآراء

مجلس ترامب للسلام.. لا يحقق السلام

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

القرار الأممي 2803 الصادر عن مجلس الأمن في نوفمبر الماضي حدّد بوضوح شديد تشكيلة مجلس السلام ومهامه ودوره في توفير البيئة الملائمة لوقف حرب الإبادة والتهجير القسري، والانتقال إلى المرحلة الثانية من تطبيق القرار، والمتمثلة، وقبل كل شيء، بفتح المعابر، ودخول المواد الغذائية بالكميات والنوعيات الكافية، علاوة على بدء الانسحاب الإسرائيلي من القطاع مع دخول قوة الاستقرار الدولية، وتمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة من إدارة القطاع، والبدء الفوري بخطة التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
غير أن الرئيس ترامب لديه رؤية مختلفة عن مضمون ومنطوق قرار مجلس الأمن، عبّر عنها بإطلاق ما سمّي بميثاق مجلس السلام، الذي لا علاقة له بغزة ولا بالسلام فيها، بل صاغ هيكلية تراتبية من أربعة مجالس يقودها هو شخصياً، لا علاقة لها بقرار مجلس الأمن من حيث المضمون والمنطوق، بل ذهبت إلى تشكيل نظام دولي جديد بديل للنظام الدولي القائم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على توازن دقيق للقوى بين مكوناته، وقد استقر هذا التوازن في صيغة تشكيلة الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية المختلفة.
بداية الخروج عن النظام الدولي بدأت بالفعل بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، أكثر من نصفها منظمات تابعة للأمم المتحدة، ومحاولة إضعاف ما تبقى منها بوقف تمويلها أو خفضه للضغط عليها تحت ما يسمّى إصلاح منظومة الأمم المتحدة.
ومع المعارضة الدولية الواسعة من قبل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وغالبية الدول الأوروبية، ودول البريكس التي رأت في هذه الدعوة تقويضاً للنظام الدولي، الذي رغم عدم قدرته على فرض الأمن والاستقرار والسلام الدوليين، فإنه يبقى صيغة توافقية تحفظ الحد الأدنى من مصالح الدول والشعوب في إطار منظومة دولية مستقرة ومتعارف على آليات عملها، في حين إن البديل المطروح هو صيغة دولية يسيطر عليها الرئيس ترامب لفترة ولايته الممتدة للسنوات الثلاث القادمة، تحت شعار حل النزاعات الدولية.
ويأمل الرئيس الأميركي أن يحل “مجلس السلام” الخاص به، الذي سيدعوه للاجتماع في 19 من الشهر الجاري، محل الأمم المتحدة ونظام القانون الدولي، وقد تكون إعادة إعمار غزة مهمته الأولى، لكن ترامب لديه طموحات أكبر من ذلك؛ فالمجلس يقف في قلب نظام عالمي جديد يتشكل على صورته، يقرر فيه المليارديرات الشركاء في المجلس التنفيذي الدولي وأتباعهم مصير الدول الضعيفة، بناء على مصالح النخبة من الدول المشاركة.
لقد وضع ترامب نفسه على رأس هذا المشروع الاستثماري الإمبراطوري الجديد، وهو نسخة محدثة من “شركة الهند الشرقية”، وبصفته رئيساً للمجلس، يختار ترامب الأعضاء الآخرين بنفسه، ويمكنه إنهاء مشاركتهم متى شاء، وله وحده حق النقض (الفيتو)، كما يمكن شراء مقعد دائم في بديل ترامب لمجلس الأمن الدولي مقابل مليار دولار.
إن تهميش ترامب للأمم المتحدة يعني أن تقييماتها للواقع الذي تواجهه غزة يمكن دفعها بهدوء إلى الظل، في حين حدّد ترامب جدولاً زمنياً مدته خمس سنوات لتعافي قطاع غزة، فإن الأرقام ببساطة لا تتطابق مع تصوراته البعيدة عن الواقع، فقد حذرت المنظمة الدولية من أنه حتى لو أنهت إسرائيل حصارها غداً، فإن الأمر سيستغرق عقوداً لإعادة بناء غزة من الصفر، ووفقاً لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ففي أفضل الحالات قد يستغرق الأمر سبع سنوات فقط لإزالة نحو 60 مليون طن من الركام، في حين تشير دراسات أخرى للأمم المتحدة إلى جدول زمني أكثر واقعية يصل إلى 20 عاماً.
في حين أن هذه العقبات الهائلة لإعادة الحياة إلى غزة لا تكاد تذكر في خطة ترامب للسلام، والسبب وجيه؛ فإذا جرّدت الخطة من ضجيجها الإعلامي، سنجد أنها لا تملك شيئاً جوهرياً تقوله عن رفاهية سكان غزة، وبصراحة أكبر، خطة ترامب غير مهتمة بسكان غزة، لأنها لا تتصور بقاءهم في القطاع لفترة طويلة.
ويستكمل الرئيس ترامب الإهانة الشاملة للشرعية الدولية بكل مؤسساتها، بمشاركة نتنياهو، رئيس حكومة دولة الاحتلال، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، في مجلسه، وسيكون واقعياً وعملياً المفوض العام لحكم قطاع غزة، انطلاقاً من كون جيش الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على ما يقارب 60% من القطاع، تحت ما يسمّى المنطقة الصفراء، إلى جانب أنه الطرف المتحكم كليًا في معبر رفح، مع استمرار السيطرة الواقعية على الطرق الرئيسة وحركة السكان، وتواصل عمليات الاغتيال الانتقائي يومياً؛ وهي كلها عوامل تمنح ممثل دولة الاحتلال داخل المجلس قوة مختلفة عن باقي الأعضاء، كونه يملك القوة التقريرية لمسار الأحداث على الأرض، مع غياب واضح لتاريخ وجدول زمني للانسحاب من غزة، في ظل تكاملية الدور مع رئيس المجلس ترامب.
مجلس ترامب للسلام لم يحدّد خطة وآلية عمل، وكل ما قام به هو تكليف نيكولاي ملادينوف ممثلاً تنفيذياً، إضافة إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، التي ستكون حدود صلاحياتها تأمين الخدمات الأساسية، وكلاهما لن يتمكنا من مواجهة قوة دولة الاحتلال المتواجدة في قطاع غزة، ولم يُسمح لهما بالدخول حتى الآن إلى القطاع، مكتفيين بتوجيه الرسائل عن بعد.

إن هدف إسرائيل، الذي لم يعد خفياً، هو التطهير العرقي الكامل لغزة، ووظيفة القصف الممنهج جعل القطاع غير صالح للحياة إطلاقاً، ولا تتعارض خطة ترامب مع هذا الطموح، بل تكمله؛ فـ”مجلس السلام” هو الوسيلة للوصول إلى الوجهة النهائية التي ترغب فيها إسرائيل، وستكون الوظيفة العملية الأولى لـ “مجلس السلام” هي ترسيخ تواطؤ الدول المشاركة فيه في تعزيز هيمنة إسرائيل على غزة. ومع ذلك، فإن سلطات صنع القرار الحقيقية لن تكمن في المجلس، بل في هيئة تنفيذية تضم سبع شخصيات مقربة من ترامب، ولن يكون فيها أي ممثل فلسطيني.
إن وجود نتنياهو في مجلس السلام واستبعاد وجود فلسطين خطوة لشرعنة فرض الوصاية الإسرائيلية على قطاع غزة أمنياً وسياسياً، وشراكة استثمارية مع أمريكا للاستيلاء على غاز غزة وتمويل إعادة الإعمار التي يتم جمع المليارات لأجلها، وهو ما يدعونا إلى التحرك الفوري مع كافة الأطراف الدولية والعربية والإسلامية لاتخاذ موقف من تلك الخطوة الانقلابية على الشرعية الدولية والنظام الدولي، عبر التجاوز عن القرار 2803.
ولا يزال بالإمكان التأثير على العديد من الدول للامتناع عن الانضمام إلى “مجلس السلام”، والبناء مع الدول التي رفضت المشاركة من حيث المبدأ في المجلس، لدعم الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والقانونية، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، لممارسة دورها واختصاصاتها رغم معارضة الولايات المتحدة لذلك.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى