أقلام وآراء

نحو يسار اجتماعي فلسطيني متجدد

 

بقلم: محمد علوش

تمرّ الحركة الوطنية الفلسطينية في أخطر مراحلها، حيث لا يشكّل العدوان العسكري الإسرائيلي وحده التهديد، بل تتضافر أزمة داخلية عميقة تهدد قدرة النظام السياسي الفلسطيني على مواجهة التحديات الوطنية، فما يجري اليوم يتجاوز الانسداد السياسي، ليصل إلى تهديد وجودي شامل يستهدف الإنسان والمجتمع الفلسطيني وإمكانية استمرار المشروع الوطني.

لقد أظهرت حرب الإبادة في قطاع غزة، وما يصاحبها من اقتلاع واستيطان وعدوان منظّم في الضفة والقدس، حال النظام السياسي القائم وغياب رؤية استراتيجية موحدة، وفضحت مدى تفكك القدرة الوطنية على إدارة صمود شامل، وإن استمرار الانقسام والتنازع على الشرعية والتمثيل أصبح عبئاً على الشعب الفلسطيني، يضعف نضاله الوطني ويمنح الاحتلال فرصة لتكريس مشروعه الاستعماري، ومن هذا المنطلق، تؤكد جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن وحدة النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وشراكة وطنية حقيقية ليست خياراً، بل شرط أساسي للبقاء الوطني وصمود الشعب ومواجهة العدوان، فالوحدة الوطنية هنا ليست شعارات بل مشروع سياسي عملي يقوم على الشراكة، واحترام التعددية، وإعادة الاعتبار للشعب كمصدر للشرعية.

وفي هذا السياق، يأتي تحوّل الجبهة إلى حزب اشتراكي ديمقراطي كخيار سياسي واعٍ، مستند إلى تاريخها منذ تأسيسها عام 1967، حين ربطت بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، ورفضت اختزال القضية الفلسطينية في سلطة أو نخبة أو تسويات مفروضة، واليوم، تؤكد الجبهة أن لا تحرير دون وحدة وطنية حقيقية، ولا دولة دون نظام سياسي موحد، ولا مقاومة مستدامة دون مساواة وطنية كاملة لجميع الفلسطينيين.

إن “الاشتراكية الديمقراطية” التي تتبناها الجبهة ليست شعاراً نظرياً، بل إطاراً نضالياً وبرنامجياً يربط بين مقاومة الاحتلال والإمبريالية ومواجهة الفقر والتهميش والفساد والاستبداد، فالحرب التدميرية لا تستهدف الأرض فقط، بل المجتمع الفلسطيني وبنيته الاجتماعية وقدرته على الصمود، لذلك، ترى الجبهة أن بناء اقتصاد وطني منتج، وتعزيز القطاع العام، وحماية الحقوق الاجتماعية، والدفاع عن الحركة النقابية، وضمان مشاركة النساء والشباب، تشكّل ركائز أساسية للصمود الوطني، لا قضايا مؤجلة لما بعد “الحل السياسي”.

انطلاقاً من هذا، تطرح الجبهة تصوراً واضحاً لـ يسار اجتماعي فلسطيني متجدد، يسار يربط بين مواجهة الاحتلال وإعادة بناء البيت الفلسطيني الداخلي، يرفض الانقسام باعتباره إضعافاً للجبهة الداخلية، ويناضل من أجل توحيد المؤسسات وإحياء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتمثيلية، لتستعيد دورها كإطار جامع لحركة التحرر الوطني وممثل شرعي ووحيد لشعبنا.

وفي ظل صمت النظام الدولي أو تواطئه، ترى الجبهة أن المهام العاجلة تتمثل في بناء تحالف ديمقراطي تقدمي واسع، يوحّد القوى اليسارية والديمقراطية، ويعزز الحركات الشعبية والنقابية، ويربط المقاومة الشعبية المنظمة ببرنامج اجتماعي واضح يدافع عن الحق في الحياة والكرامة والعدالة.

في زمن الإبادة الجماعية، لا قيمة لسياسة بلا موقف، ولا معنى لوحدة شكلية بلا مضمون، فالرهان اليوم هو على يسار اجتماعي فلسطيني قادر على الجمع بين مقاومة الاحتلال وبناء نظام سياسي موحّد وعادل، يعيد قوة الشعب ويفتح أفقاً جديداً لفلسطين، أفقاً يبنى على العدالة الاجتماعية، والحرية، وحق الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى