تلكؤ أمريكي وعرقلة إسرائيلية تعطلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار


بقلم: د. أحمد مجدلاني
ما تزال العديد من الملفات الأساسية معلّقة وقيد التنفيذ، بفعل التلكؤ الأميركي والتعطيل الإسرائيلي المتعمّد لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ويشمل ذلك انتقال اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة إلى داخل القطاع، ونشر قوة الاستقرار الدولية، واتخاذ إجراءات تمهيدية للتعافي المبكر وإعادة إعمار القطاع، حيث لا تزال هذه الملفات مجمّدة، فيما تكاد الخطوات الميدانية تكون معدومة.
واقتصر ما أُعلن من إجراءات على ترتيبات جرت خارج قطاع غزة، تمثلت في تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، والإعلان عن مجلس سلام ما تزال تشكيلته ودوره ومهامه موضع خلاف وغير واضحة، إضافة إلى اللجنة التنفيذية التي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيلها، دون أن تمارس دوراً واضحاً حتى الآن.
ويضاف إلى ذلك الجمود في ملف نشر قوة الاستقرار الدولية في القطاع، في ظل غياب الوضوح بشأن الدول الراغبة بالمشاركة فيها، وطبيعة دور هذه القوة، ولا سيما فيما يتصل بمسألة نزع سلاح حركة حماس، كما تصرّ حكومة نتنياهو على رفض مشاركة قوات قطرية أو تركية في هذه القوة، وتتمسك بمطلب نزع سلاح حركة حماس دون تقديم أي ضمانات للانسحاب الكامل من القطاع، أو وضع جدول زمني واضح لبداية ونهاية الانسحاب، ما يعكس بوضوح غياب النية الحقيقية لدى نتنياهو لتنفيذ بنود المرحلة الثانية.
ويرتبط هذا الموقف بحسابات نتنياهو الداخلية، لا سيما أزمة إقرار قانون إعفاء “الحريديم” من الخدمة العسكرية، حيث أعلن “الحريديم” أنهم لن يصوّتوا لصالح قانون الموازنة بسبب تعطيل التقدم نحو إقرار قانون الإعفاء من التجنيد، ويشكّل تأجيل التصويت على هذا المشروع تهديداً قد يعطّل المصادقة على الموازنة، فضلاً عن تعطيل إقرار الإصلاحات التي اقترحها وزير المالية سموتريتش ضمن مشروع قانون الإصلاحات، علماً أن فشل الائتلاف الحكومي في تمرير الموازنة من شأنه أن يؤدي إلى انهياره والذهاب نحو انتخابات مبكرة، وهو السيناريو الذي يسعى نتنياهو إلى تفاديه.
إن ما تحقق حتى الآن من خطوات إجرائية قد لا يتحول إلى خطوات تنفيذية على الأرض، حتى في حال دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة، نظراً لجملة من التحديات الأساسية، أبرزها:
- السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على القطاع، وعدم رغبة الاحتلال في السماح بانتشار قوة الاستقرار الدولية التي من شأنها أن تحل محل قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.
- عدم توافر آليات واضحة تضمن تسهيل عملية تسليم إدارة غزة من قبل حركة حماس إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة.
- السيطرة الإسرائيلية على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، والتضييق على عودة المواطنين وخروج المرضى وأصحاب الحالات الخاصة، فضلاً عن التحكم بكميات ونوعية المساعدات، بما يحوّل الاتفاق إلى إجراء شكلي لا قيمة عملية له.
- تعطل زيادة المساعدات وإدخال مواد الإعمار، وتأهيل الشوارع، وإعادة تشغيل البنية التحتية، بما يعرقل إطلاق مسارات التعافي المبكر، ويحول دون توفير مأوى لما يقارب 70% من سكان القطاع الذين يعيشون في مخيمات، ما يجعل البديل المطروح عملياً هو التهجير.
- التعقيدات الإسرائيلية المفروضة على عمل لجنة التكنوقراط، بما في ذلك تحديد موعد عودتها إلى القطاع، وآخرها الاعتراض على شعارها، وهو ما يؤكد أن حكومة نتنياهو لا تسعى فقط إلى عرقلة الاتفاق أو تأجيله، بل إلى عدم تنفيذه من الأساس.
- مواصلة إسرائيل توجيه رسائل يومية تؤكد عدم جديتها في الانتقال إلى المرحلة الثانية، من خلال شنّ ضربات تستهدف مدنيين عزل في مناطق بعيدة عن سيطرتها، واتخاذ ما يسمى بـ«الخط الأصفر» ذريعة لاختلاق أحداث ميدانية، بهدف توجيه ضربات مركزة، أحياناً ضد عناصر من الفصائل، والتي غالباً ما تفشل، ما يؤدي إلى استشهاد أفراد من عائلاتهم ومن المدنيين المحيطين بهم.
إن استعراض هذه الوقائع والشواهد لا يهدف فقط إلى إبراز الانتهاكات الإسرائيلية ونوايا حكومة نتنياهو حيال تنفيذ الاتفاق من عدمه، بل يأتي في إطار حثّ الدول الوسيطة والضامنة للاتفاق، ولتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803، على التحرك العاجل لاحتواء التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، بما يحفظ أولوية القضية الفلسطينية ومكانتها في صدارة المشهد السياسي الإقليمي، ويمنع إسرائيل من استثمار أي ضربة عسكرية محتملة لإيران لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة، وبما يضمن إجبارها على تنفيذ الاتفاق.
كما أن صمت الإدارة الأميركية، وامتناعها عن إدانة هذه الانتهاكات، يوفّر غطاءً لاستمرارها، رغم التوصل إلى اتفاق ورغم خرق قرار مجلس الأمن، الأمر الذي يتطلب من الدول ذاتها تحميل الإدارة الأميركية مسؤولية تعثّر تطبيق الاتفاق، باعتباره، قبل كل شيء، مصلحة استراتيجية أميركية.
نضال الشعب