أقلام وآراء

“القائمة المشتركة”: الضرورة في مواجهة الفاشية الصاعدة

 

بقلم: محمد علوش

يشكّل إعلان الأحزاب العربية داخل أراضي 48 الاتفاق على إعادة إطلاق “القائمة المشتركة” لخوض انتخابات “الكنيست” القادمة محطة سياسية بالغة الأهمية، تتجاوز بعدها الانتخابي المباشر، لتلامس جوهر الصراع المفتوح مع الفاشية الجديدة واليمين الصهيوني الأكثر تطرفاً في تاريخ دولة الاحتلال، فهذا الإعلان لا يمكن قراءته كترتيب تقني أو تحالف انتخابي عابر بين مجموعة من الأحزاب، بل كفعل وعي سياسي، واستجابة ضرورية لمرحلة تتكثف فيها الأخطار على الفلسطينيين في الداخل، وعلى الشعب الفلسطيني بأسره.

تأتي هذه الخطوة في لحظة سياسية شديدة التعقيد، يتقدّم فيها المشروع الفاشي الإسرائيلي من الهامش إلى مركز القرار، فحكومة نتنياهو الحالية لم تعد حكومة يمين تقليدي، بل ائتلافاً أيديولوجياً مغلقاً، يقوم على نفي الآخر، وتكريس التفوق القومي، وإعادة هندسة الدولة والمجتمع وفق منطق عنصري إقصائي، وفي مواجهة هذا المسار، يصبح توحيد الصوت العربي داخل الكنيست فعلاً دفاعياً بامتياز، وخطوة ضرورية لإعادة بناء معسكر المواجهة السياسية من موقع جماعي، لا فردي.

إن أهمية إعادة إطلاق “القائمة المشتركة” لا تكمن فقط في زيادة عدد المقاعد العربية المحتملة، على الرغم من أهمية ذلك، بل في إعادة الاعتبار لفكرة العمل السياسي الموحد، بوصفه أداة مقاومة مدنية في فضاء سياسي معاد، فالانقسام، خلال السنوات الماضية، لم يضعف الحضور البرلماني العربي فحسب، بل منح اليمين الصهيوني المتطرف فرصة ذهبية لتهميش الصوت العربي، والتعامل معه كتفصيل هامشي يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.

واليوم، ومع تصاعد السياسات العنصرية، وتوسّع دائرة القمع وانتشار الجريمة، وتشريع القوانين التي تستهدف الفلسطينيين في الداخل بشكل مباشر، يصبح توحيد الصف ضرورة وجودية، لا خياراً تكتيكياً، فالفاشية الاسرائيلية لا تواجه بالتجزئة، ولا تكبح بالرهان على تسويات فردية أو حسابات ضيقة، بل بمراكمة قوة سياسية جماعية قادرة على الفعل، والتأثير، وفرض الحضور، والنضال المستمر.

كما أن إعادة إطلاق “القائمة المشتركة” تحمل بعداً سياسياً يتجاوز الداخل الفلسطيني، لتشكّل رسالة واضحة بأن فلسطينيي 48 جزء لا يتجزأ من معركة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، فهذه الخطوة تعيد وصل ما حاولت السياسات الإسرائيلية قطعه، وتعزز من وحدة القضية، ووحدة المصير، ووحدة المواجهة، رغم اختلاف ساحاتها وأدواتها.

وفي السياق الأوسع، تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في معركة إسقاط نتنياهو وائتلافه اليميني الحاكم، فنتنياهو لا يمثل مجرد شخصية سياسية، بل عنواناً لمرحلة كاملة من الانحطاط السياسي والأخلاقي، مرحلة تقوم على تأبيد الاحتلال، وشرعنة الإبادة، وتحويل العنصرية إلى سياسة رسمية، وإنّ إضعاف هذا الائتلاف، أو المساهمة في إسقاطه، مصلحة فلسطينية مباشرة، حتى وإن لم يكن ذلك بديلاً كافياً بحد ذاته، إلا أنه يشكّل ضربة سياسية للفاشية الصاعدة، ويفتح ثغرة في جدار الغطرسة الإسرائيلية.

ولا ينبغي التقليل من أثر الحضور العربي الموحّد في الكنيست، سواء في تعطيل تشريعات عنصرية، أو في فضح السياسات الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي، أو في بناء تحالفات مع قوى يهودية داعمة للسلام ومناهضة للفاشية، فالعمل البرلماني، على الرغم من محدوديته في بنية دولة استعمارية، يظل ساحة من ساحات الصراع، يحسن استخدامها حين تكون مدعومة بقاعدة شعبية واعية، وخطاب سياسي واضح، وبرنامج نضالي يعكس تطلعات الناس وهمومهم اليوميّة.

وفي الوقت ذاته، تضع إعادة إطلاق “القائمة المشتركة” على عاتق الأحزاب الموقّعة مسؤولية مضاعفة، فالوحدة ليست شعاراً، بل ممارسة سياسية تتطلب إدارة الخلافات بروح ديمقراطية، والالتزام ببرنامج حدٍّ أدنى يعكس مصالح الجماهير، ويعيد الثقة بالعمل السياسي، لا سيما في ظل حالة الإحباط الواسعة التي أصابت قطاعات كبيرة من الشارع العربي في الداخل.

إن الرهان الحقيقي اليوم هو أن تتحول “القائمة المشتركة” إلى إطار كفاحي سياسي، لا مجرد منصة انتخابية، وأن تعكس في خطابها وأدائها حجم التحديات المطروحة، من تصاعد الجريمة المنظمة، إلى مصادرة الأرض، وهدم البيوت، ومحاولات الأسرلة القسرية، وصولاً إلى استهداف الوجود والهوية.

تمثل إعادة إطلاق “القائمة المشتركة” خطوة في الاتجاه الصحيح، وخياراً عقلانياً في زمن الجنون السياسي، وأرى أنها إعلان جدي وضروري عن عودة الصوت الجماعي في مواجهة الفاشية، ومحاولة لاستعادة زمام المبادرة في معركة طويلة النفس، ومع أن الطريق مليء بالعقبات والتحديات الكبرى، فإن الوحدة، في هذه اللحظة التاريخية، ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً للصمود، ولإبقاء جذوة المواجهة متقدة في وجه اليمين الصهيوني الفاشي والمتطرف، ومن أجل مست

زر الذهاب إلى الأعلى