غرينلاند.. لماذا يجب أن تقرع أوروبا ناقوس الخطر؟


بقلم : خليل حمد
لم تعد المسألة متعلقة بـ “عدو” أو “حليف”، يريد الرئيس الأمريكي غزو العالم بأسره، عن طريق ضم أي منطقة يريدها بأي وسيلة كانت، ترغيباً أم ترهيباً، بالمال أو العسكر، ودليل هذا التحليل أسبوع من التصريحات عن فنزويلا وغرينلاند. الأهداف هنا سياسية عالمية تتعلق بجينات أمريكية تعتبر التوسع على حساب الشعوب حقاً يولد مع أي رئيس جديد، واقتصادية بهدف صرف أنظار الناخبين الأمريكيين عن الأزمة الاقتصادية الداخلية التي يعانيها المواطن الأمريكي على أبواب انتخابات التجديد النصفي التي تهدد بفقدان الجمهوريين سيطرتهم على الكونغرس لصالح الديمقراطيين.
كانت وسائل الإعلام العالمية لا تزال مشغولة بنشر صور اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادرور، عندما بدأ ترامب –منتشياً بإنجازه في فنزويلا– بإطلاق تهديداته والكشف عن أطماعه، والمستهدف الأبرز كان جزيرة غرينلاند، التي تقبع في أقصى الشمال العالمي وتتبع في حكمها الذاتي للدانمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو”.
التصريحات التي بدأت تتخذ مساراً جدياً اقترنت بأوامر رئاسية من ترامب إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة لإعداد خطة لغزو جزيرة غرينلاند، وفق ما نقلت صحيفة ديلي ميل البريطانية عن مصادر مطلعة ودبلوماسيين غربيين، أشاروا أيضاً إلى معارضة كبار القادة العسكريين الأمريكيين للخطوة بوصفها غير شرعية ولن تحظى بدعم الكونغرس وقد تُدخل الولايات المتحدة في مواجهة “غير مبررة” مع حلفائها في “الناتو”. تصرف يعكس مدى عدم اكتراث ترامب شخصياً لتحالفات الولايات المتحدة العالمية. الرجل يرى “أمريكا فقط” وليس “أمريكا أولاً”.
الاتجاه التصعيدي العسكري الأمريكي قابله تصعيد عسكري أيضاً من قِبل كل من الدانمارك وبريطانيا. وزير الدفاع الدنماركي ترولس لوند بولسن أعلن أن بلاده ستواصل تعزيز وجودها العسكري في إقليم غرينلاند، مع الاستمرار في الحوار والتنسيق مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي “الناتو”. بالتوازي حاول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر البحث عن “قواسم مشتركة” مع واشنطن، بعد طلب مباشر من غرينلاند لمساعدتها في صد “الهجوم” الأمريكي الكلامي حالياً، القواسم المشتركة تلخصت بـ “ضرورة ردع روسيا وتعزيز الأمن الأمريكي–الأوروبي”. الحل برأي لندن كشفته صحيفة تيلغراف، محادثات تجريها لندن مع حلفاء أوروبيين لبحث نشر قوة عسكرية في غرينلاند.
لكن هذا الخيار قد لا يبدو مناسباً لترامب الذي قالها صراحة إنه يرغب بـ “ضم الجزيرة” وليس الحفاظ على وضعها مع تعزيز الوجود العسكري للناتو فيها، وهو ما يحذر مسؤولون عسكريون بريطانيون أنه قد يُشعل مواجهة بين بريطانيا والولايات المتحدة، تؤدي إلى انهيار حلف الناتو. يمكن ربط هذا الاستهداف للناتو من قبل ترامب بتصريحات سابقة خلال ولايته الأولى حول العبء الذي يسببه تمويل الناتو من قبل واشنطن، وتهديده بالانسحاب من الحلف. النتيجة التي يمكن الوصول إليها أن ترامب لا يريد “شريكاً” في مساعيه للسيطرة على العالم.
يبرر ترامب نواياه العدوانية بـ “مخاوف” من سيطرة روسيا والصين على الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية في القطب الشمالي، وكأن الجزيرة تم اكتشافها قبل أيام فقط وليست قائمة كمستعمرة للدانمارك منذ العام 1814 ومن ثم حكمها الذاتي منذ 2009. الرد الصيني على هذه المزاعم جاء بالتأكيد أن “القطب الشمالي منطقة تخص المصالح العامة للمجتمع الدولي برمته”، وأن أنشطة الصين في تلك المنطقة تهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار والتنمية المستدامة، وهو ما يجب أن تمارسه جميع الدول وفق بكين.
بالمقابل، جاء الرد الروسي على شكل تصريح لا يمكن فهمه خارج الإطار التهكمي، على لسان ديمتري ميدفيديف المسؤول الذي سبق وتسلم الرئاسة الروسية “حذر” الولايات المتحدة من أن سكان غرينلاند قد يصوتون للانضمام إلى روسيا إذا “لم يتحرك ترامب على وجه السرعة لضم الجزيرة”. تصريح يمكن فهمه كنوع من التسخيف لذرائع ترامب غير المنطقية في سعيه للهيمنة، لكنه تهكم –إذا ما صحَّ فهمه– لا يجب أن يحكم كل الرد الروسي، فالنوايا الأمريكية تبدو حقيقة وفعلية، وبمنطق التصرفات الأمريكية غير المنطقية، يمكن أن يصبح “ضم” الجزيرة أمراً واقعاً بين غمضة عين والتفاتتها، تماماً كما حدث في فنزويلا.
ما يعزز هذا الموضوع هو الأهداف الحقيقية التي تقف وراء سعي ترامب للسيطرة على غرينلاند. الجزيرة غنية بالمعادن الأرضية النادرة التي يبدو أن ترامب يخص جزءاً كبيراً من صراعاته العالمية للسيرة عليها ومنع الهيمنة الصينية على توريدها، من أوكرانيا إلى الكونغو الديمقراطية، إلى غرينلاند التي تحتل المركز الثامن عالمياً في احتياطي المعادن النادرة.
كما تشمل الموارد الطبيعية في غرينلاند: الزنك والرصاص وخام الحديد والفحم والموليبدينوم والذهب والبلاتين واليورانيوم، إضافة إلى موقع استراتيجي في بوابة القطب الشمالي، وعلى طول مسارين محتملين للشحن عبر القطب الشمالي، هما الممر الشمالي الغربي، على طول الساحل الشمالي لأمريكا الشمالية، وطريق البحر عبر القطب الشمالي، عبر وسط المحيط المتجمد الشمالي.
في واقع الأمر، لا يشعر السكان الأصليون للجزيرة الشاسعة، وعددهم نحو 57 ألفاً فقط ويسمَّون “الإسكيمو”، بالارتياح لمطامع السيطرة الأمريكية عليهم، فهم الذين يحملون ذاكرة من الضغينة ضد تاريخ يمتد لألف عام من الهيمنة والسياسات القسرية، وصولاً إلى ارتكاب جرائم إنسانية منها منع قسري للنساء من الحمل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لتخفيف العبء المالي على كوبنهاغن. يتخوف الغرينلانديون من الانتقال من سيطرة استعمارية إلى أخرى، واستبدال مهيمَن بآخر، دون مراعاة وضعهم وظروفهم وخصوصيتهم.
القضية لا تتلخص بغرينلاند والسيطرة عليها فقط. يقلق الأوروبيون من أن كسر حرمة الاعتداء والهيمنة على دولة عضو في حلف الناتو قد يعني إمكانية أن تستهدف الولايات المتحدة دولاً أخرى وتفرض عليها هيمنة فتكون التالية على لائحة المطامع الأمريكية، كالسويد مثلاً التي تمتلك ثروات معدنية هامة. الخطر الذي تستشعره أوروبا أيضاً ينبع من عهود التبعية لواشنطن التي جعلت من القارة العجوز دولاً أضعف بكثير مما كانت عليه، وغير قادرة ربما على اتخاذ قرارات حقيقة مؤثرة في السياسة العالمية بعيداً عن الظل الأمريكي.
لكن “انتهاء” الناتو بقرار أمريكي، يختلف عن انتهائه بقرار أوروبي. بمعنى أن تكون أوروبا نفسها صاحبة قرار فيما يُعتبر مصلحة للقارة، بعيداً عن البحث عن مصالح أمريكا أولاً، وأزمة غرينلاند اليوم تجعل أوروبا كلها، على مفترق تاريخي وجيوسياسي هام، فإما أن تقول القارة العجوز اليوم “كفى” وإما أن ترامب سيستمر بالتهام الجميع تدريجياً، وصولاً إلى عصر لا يكون فيه قوة في العالم سوى واشنطن.