أقلام وآراء

طريق النضال دوماً صعب ومليء بالتحديات

 

 

يقلم: محمد علوش

لم يكن طريق النضال الوطني الفلسطيني يوماً مفروشاً بالسهولة أو الحلول الجاهزة، فمنذ اللحظة الأولى لتشكّل الوعي الوطني، ارتبط هذا الطريق بالتضحيات، وطول النفس، والقدرة على الصمود في وجه مشروع استعماري استيطاني إحلالي يستهدف الأرض والإنسان والهوية، وإن الإقرار بصعوبة الطريق ليس تعبيراً عن ضعف أو تراجع، بل مدخل ضروري لفهم طبيعة الصراع، وبناء أدوات نضال نجاعة وواقعية.

يواجه مشروعنا الوطني اليوم تحديات مركّبة غير مسبوقة، فإلى جانب الاحتلال الإسرائيلي وسياساته العدوانية القائمة على الاستيطان والضم والقمع، يعيش شعبنا تداعيات انقسام سياسي أضعف الموقف الوطني، وأربك البنية التمثيلية، وأثقل كاهل المجتمع بأزمات اقتصادية واجتماعية يرافق ذلك تراجع في الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، ومحاولات حثيثة لتطبيع الاحتلال وتكريس الأمر الواقع.

في قلب هذه المعركة المفتوحة، تبرز منظمة التحرير بوصفها الإنجاز الوطني الأهم في تاريخ شعبنا المعاصر، والممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات، فلقد شكّلت المنظمة الإطار الجامع للنضال الوطني، وحملت راية القضية في المحافل العربية والدولية، ونجحت في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة مشاريع التذويب والتصفية، وإن الحفاظ على مكانة منظمة التحرير، وتعزيز دورها، وإعادة تفعيل مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتشاركية، هو شرط أساسي لاستعادة وحدة القرار الوطني وتجديد المشروع التحرري.

ولا يمكن الحديث عن تجديد النضال دون التأكيد على دور القوى الوطنية الديمقراطية داخل منظمة التحرير، وفي مقدمتها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، التي شكّلت منذ انطلاقتها صوتاً صادقاً للفئات الشعبية، وحملت برنامجاً سياسياً واجتماعياً يربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والتغيير الديمقراطي، ولقد تميّزت الجبهة بمواقفها الواضحة دفاعاً عن حقوق العمال والكادحين، وبسعيها الدائم إلى بناء دولة فلسطينية ديمقراطية، تقوم على سيادة القانون، والمساواة، واحترام التعددية السياسية والفكرية.

إن النضال الوطني لا ينفصل عن البعد الديمقراطي، فالدولة التي نناضل من أجلها ليست مجرد علم ونشيد، بل مشروع تحرري متكامل يضمن كرامة الإنسان، ويصون حقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن دون ديمقراطية حقيقية، ومشاركة شعبية فاعلة، ومساءلة شفافة، يفقد الاستقلال معناه، وتتحول السلطة إلى غاية بدل أن تكون وسيلة في خدمة الشعب.

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة لمسارنا النضالي، مراجعة شجاعة لا لجلد الذات، بل تصويب البوصلة، والمطلوب هو إعادة الاعتبار للعمل الجماهيري المنظم، وربط الخطاب الوطني بقضايا الناس اليومية، الحق في العمل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، فالاحتلال لا يسعى فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى إنهاك المجتمع وإفقاره، ومواجهة ذلك تستدعي مشروع صمود وطني شامل.

كما أن وحدة تظل حجر الزاوية في أي استراتيجية تحرر، وهذه الوحدة لا تعني إلغاء الاختلافات السياسية، بل تنظيمها ضمن إطار وطني جامع، تقوده منظمة التحرير الفلسطينية بعد إصلاحها وتفعيلها، وبمشاركة حقيقية لكل القوى والفئات الاجتماعية، وإن استمرار الانقسام لا يضعف فقط قدرتنا على مواجهة الاحتلال، بل يهدد ثقة الأجيال الشابة بالعمل السياسي، ويقوّض أسس المشروع الوطني على المدى البعيد.

وهنا، لا بد من التأكيد على الدور المحوري للشباب والنساء والطبقة العاملة في مسيرة النضال، فهؤلاء يشكّلون العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني، وهم الأكثر تضرراً من الاحتلال والسياسات الاقتصادية الجائرة، وفي الوقت نفسه الأكثر قدرة على إحداث التغيير إذا ما توفرت لهم الأطر الديمقراطية والتنظيمية المناسبة، وإن إشراكهم الفعلي في صنع القرار هو استثمار في مستقبل القضية، وليس مجرد استجابة ظرفية.

إن طريق النضال، بكل ما يحمله من صعوبات وتحديات، يبقى الطريق الوحيد نحو الحرية، والتاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي انتصرت لم تفعل ذلك لأنها امتلكت تفوقاً مادياً، بل لأنها امتلكت وعياً عميقاً بقضيتها، ووحدة في صفوفها، وإيماناً راسخاً بعدالة نضالها، وشعبنا الفلسطيني، رغم الجراح، ما زال يمتلك هذه المقومات.

إن مواصلة نضالنا الوطني والديمقراطي تتطلب التمسك بمنظمة التحرير إطاراً جامعاً، وتعزيز دور القوى الوطنية التقدمية، وفي مقدمتها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، كقوة سياسية رائدة تحمل راية الحرية والعدالة الاجتماعية والتغيير الديمقراطي، ووحده هذا المسار، الصعب لكن الواضح، كفيل بأن يقودنا إلى دولتنا المستقلة، دولة الحرية والكرامة والعدالة لكل أبنائها.

زر الذهاب إلى الأعلى