أقلام وآراء

الثورة الفلسطينية: ذاكرة النضال وواجب المراجعة النقدية الشاملة

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني 

تحلّ الذكرى الحادية والستون لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في لحظة تاريخية بالغة القسوة والتعقيد، لعلها من أخطر المراحل التي يمرّ بها شعبنا منذ النكبة، لحظة تتقاطع فيها حرب الإبادة المفتوحة على قطاع غزة، بكل ما تحمله من قتل ودمار وتجويع واقتلاع وفصل وتقسيم، مع تصعيد استيطاني استعماري غير مسبوق في الضفة الغربية والقدس، ومع انسداد سياسي عميق يطاول مجمل النظام السياسي الفلسطيني، ويعيد طرح الأسئلة المصيرية حول مستقبل المشروع الوطني، وأدواته، وأشكال نضاله، وقدرته الفعلية على الصمود والاستمرار في مواجهة مشروع استعماري إحلالي لا يخفي أهدافه التصفوية.

في مثل هذه اللحظات المفصلية، لا يجوز التعامل مع ذكرى انطلاقة الثورة بوصفها مناسبة احتفالية عابرة أو استدعاءً عاطفياً للماضي، بل باعتبارها محطة وعي ومساءلة وطنية شاملة، فالثورة الفلسطينية لم تكن حدثاً تاريخياً منتهياً، بل مساراً مفتوحاً من النضال، تراكمت فيه التجارب، وتداخلت فيه النجاحات مع الإخفاقات، وهو ما يفرض قراءة نقدية مسؤولة، بعيدة عن التقديس أو التشويه، تستخلص الدروس، وتعيد الاعتبار لمعنى الثورة كفعل تغييري متجدد، فلقد شكّلت انطلاقة الثورة عام 1965 لحظة كسر تاريخي حقيقية في مسار القضية الفلسطينية، فقد أنهت زمناً طويلاً من التهميش والارتهان والتبعية والوصاية ، وأعادت للشعب الفلسطيني حضوره كفاعل سياسي وكصاحب قضية، لا كملف إغاثي إنساني أو عبء إقليمي، ومن خلال الثورة، استعاد الفلسطينيون حقهم في المبادرة وكسر حلقة التبعية والوصاية وصناعة القرار الوطني المستقل، وتحوّلت القضية الفلسطينية إلى قضية تحرر وطني ذات مضمون سياسي واضح، لا مجرد مأساة إنسانية تبحث عن التعاطف والدعم الإغاثي .

وكانت الثورة، في جوهرها العميق، تعبيراً عن وعي جمعي جديد، آمن بأن الحقوق لا تستعاد بالانتظار ولا بالمناشدات، بل بالفعل المنظم والنضال الطويل والتضحيات الجسام، وبهذا المعنى، لم تكن الثورة مجرد عمل فدائي، بل مشروعاً وطنياً متكاملاً أعاد بناء الهوية الوطنية الفلسطينية، ورسّخ مفهوم الانتماء، وفتح الطريق أمام بناء الكيانية الوطنية السياسية الفلسطينية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية التي شكّلت الإطار الجامع لشعبنا في الوطن والشتات، وممثله الشرعي والوحيد ، غير أن التجربة الثورية، بما هي تجربة بشرية وسياسية معقّدة، لا يمكن قراءتها قراءة مثالية أو انتقائية، فكما أن الثورة أنجزت الكثير على صعيد تثبيت الهوية الوطنية، وانتزاع الاعتراف الدولي بالشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية العادلة، فإن مسيرتها الطويلة لم تخل من اختلالات بنيوية عميقة، وبعض هذه الاختلالات كان موضوعياً، مرتبطاً بتعقيدات الصراع مع الاحتلال، وبالضغوط والتدخلات الإقليمية والدولية، وبعضها الآخر كان ذاتياً، ناجماً عن أخطاء في الإدارة السياسية، وضعف البناء المؤسسي، وغياب آليات المحاسبة والمراجعة الدورية.

ومن أبرز هذه الإشكاليات تراجع الطابع الجماعي والمؤسسي في إدارة العمل الوطني، وصعود أنماط فردية في صناعة القرار، الأمر الذي أضعف دينامية الحركة الوطنية، وقلّص قدرتها على التجدد واستيعاب المتغيرات، ووسّع الفجوة بينها وبين قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، التي وجدت نفسها في كثير من الأحيان خارج دوائر الاهتمام والتأثير، رغم أنها الأكثر تضرراً من الاحتلال، والأكثر استعداداً للعطاء والتضحية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاوز الدور التاريخي والمحوري الذي لعبته حركة «فتح» في انطلاقة الثورة ومسارها اللاحق، فقد شكّلت الحركة العمود الفقري للتجربة الثورية، وأسهمت في ترسيخ مفهوم القرار الوطني المستقل، وفي إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، غير أن التجربة الفلسطينية تؤكد أن قوة أي حركة تحرر وطني لا تقاس بتاريخها أو حجمها فحسب، بل بقدرتها على تجديد ذاتها، واحترام التعددية السياسية، وإدارة الاختلاف ضمن أطر ديمقراطية، وتغليب منطق المؤسسات على منطق الأفراد، مهما كانت أدوارهم أو تضحياتهم.

لقد أثبتت مسيرة النضال الفلسطيني أن العلاقات التحالفية داخل الحركة الوطنية تكون في أقوى حالاتها حين تقوم على قاعدة الشراكة والتكامل، لا على منطق الهيمنة أو الإقصاء، وحين اختلّ هذا التوازن، تضرّر المشروع الوطني برمّته، وتراجعت مناعته الداخلية، ووجد الاحتلال فرصة سانحة لتعميق الانقسام، وتغذية الشرخ السياسي والجغرافي والاجتماعي، وتحويله إلى أداة إضافية لإضعاف شعبنا والنيل من حقوقه، ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للتحالفات الوطنية المتوازنة، وفي مقدمتها العلاقة بين «فتح» وبقية القوى الوطنية والديمقراطية، ليست شأناً فصائلياً أو تنظيمياً ضيقاً، بل قضية سياسية من الدرجة الأولى، تتصل مباشرة بإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس ديمقراطية، وباستعادة الثقة الشعبية، وبتمكين شعبنا من خوض معركته المفتوحة مع الاحتلال وهو موحّد الإرادة والقرار.

ومن أهم الدروس التي تفرض نفسها اليوم أن الثورة الفلسطينية لا يمكن أن تستمر، ولا أن تستعيد دورها التاريخي، من دون ربط عضوي وواضح بين التحرر الوطني والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية الداخلية، فالثورة التي لا تستخدم سلاح النقد لتجدّد أدواتها، ولا تراجع برامجها وتجددها، ولا تفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة في صياغة الرؤية الوطنية، تتحوّل تدريجياً إلى إرث جامد لا روح فيه، مهما كان عظيماً في تاريخه، وإن تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، سياسياً وبنيوياً وتمثيلياً، يظل المدخل الضروري لإعادة بناء وتجديد النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية، والتمثيل الحقيقي المبني على التعددية، والمساءلة، وصياغة برنامج وطني جامع قادر على مواجهة تحديات المرحلة الراهنة.

وفي ظل هذا الواقع، حيث تتعرض القضية الفلسطينية لمحاولات تصفية شاملة، يصبح استحضار روح الثورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لا بوصفها خطاباً تعبويّاً أو استعادة للماضي، بل كمنهج عمل نضالي شامل، يستند إلى وحدة وطنية حقيقية، وبرنامج سياسي كفاحي يعيد الاعتبار لأهداف الثورة الأولى: الحرية، والعودة، وتقرير المصير، والاستقلال، والعدالة الاجتماعية، ويترجم هذه الأهداف إلى سياسات عملية وأشكال نضال متكاملة، قادرة على مخاطبة الواقع وتعقيداته، وعلى حشد طاقات شعبنا في كل أماكن وجوده.

إن هذه الذكرى المجيدة ليست مناسبة للبكاء على الماضي أو التغنّي به، بل فرصة وطنية صادقة لمساءلته بجرأة ومسؤولية، والبناء عليه بوعي وإرادة سياسية، فالثورة التي أعادت لشعبنا اسمه ودوره ومكانته على خريطة العالم، قادرة على أن تجدّد نفسها وتستعيد زخمها، متى تحلّينا بالشجاعة في النقد، والصدق في المراجعة، والوفاء العميق لتضحيات شعبنا، الذي ما زال، رغم كل الجراح والخسائر، متمسّكاً بحقه في الحياة، والحرية، والكرامة الوطنية.

“نضال الشعب”

زر الذهاب إلى الأعلى