أقلام وآراء

ماذا يحمل نتنياهو في جعبته للقاء ترامب؟

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

يتوجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نهاية الشهر الجاري للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في اللقاء السادس بينهما خلال أقل من عام على تولّي ترامب رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الجديدة.

وفي كل لقاء، يحمل نتنياهو مطالب تضع الرئيس وإدارته أمام معادلة مواءمة هذه المطالب مع سياسة الولايات المتحدة واستراتيجيتها الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي يتمحور جوهرها حول ضمان المصالح الأمريكية من دون منافسة روسية أو صينية، ولا سيما بعد إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، وتغيير الخارطة الجيوسياسية فيها، ويأتي في مقدّمة هذه التحوّلات سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ومحاولة العهد الجديد في لبنان استعادة سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها وحدها، بما يضمن تفكيك البنية العسكرية والسياسية الإيرانية عبر حزب الله من جهة، ودرء لبنان من مخاطر استمرار العدوان الإسرائيلي من جهة أخرى، وتحويل وقف إطلاق النار، الذي مضى عليه أكثر من عام، إلى هدنة هشّة يسعى نتنياهو إلى دوام استمرارها، مع سحب انعكاساتها على الوضع القائم في قطاع غزة.

مناورة نتنياهو القديمة – الجديدة ما زالت قائمة على عناصرها المعروفة: الضغط باتجاه جبهة معيّنة للحصول على مكاسب في جبهة أخرى، وما قد يحمله اليوم في جعبته من مطالب، وإن كانت تتعارض مع مصالح إدارة ترامب وتشكل عائقاً أمام حصد نتائجها المنتظرة، وخصوصاً في ما يتصل بالانتقال إلى المرحلة الثانية من تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي يتمثّل في جوهره بتشكيل مجلس السلم الدولي والمجلس التنفيذي، ويبدو أن الرأي قد استقر على نيكولاي ملادينوف لرئاسة المجلس التنفيذي، بالتوازي مع انطلاق المشاورات لتشكيل لجنة تكنوقراط من فلسطينيين مقيمين في قطاع غزة، تعمل تحت إشراف مجلس السلم والمجلس التنفيذي، إلى جانب تشكيل القوة الدولية لدعم الاستقرار في قطاع غزة.

كل هذه الإجراءات مطلوب إنجازها خلال أيام لا أشهر، على أن تبدأ المرحلة الانتقالية، طبقاً لقرار مجلس الأمن، مطلع العام القادم، رغم ما يعتري ذلك من صعوبات وعقبات، خاصة في ظل إصرار ترامب على فرض اشتراطات على كل بند من هذه البنود.

نتنياهو غير متعجّل، وهو يربط الانتقال إلى المرحلة الثانية بتسليم جثة الجندي الإسرائيلي المختفية تحت ركام غزة، وهي ذريعة أكثر منها سبباً حقيقياً للتأخير، إضافة إلى مطالب أخرى، في مقدمتها سلاح حركة حماس، وتنحّيها عن الحكم، وتجريد قطاع غزة من السلاح.

مطالب وذرائع نتنياهو مقروءة جيداً من قبل الإدارة الأمريكية، لا سيما أنها مقرونة بمطلب متجدّد يتمثل في الحصول على ضوء أخضر ودعم لوجستي أمريكي لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، والهدف هذه المرة لا يقتصر على القضاء على البرنامج النووي، الذي تضرر بشكل كبير، بل يتعداه إلى إسقاط النظام الإيراني في ظل تصاعد أزماته الداخلية، بدءاً من أزمة المياه، ومروراً بانهيار العملة، وتراجع المستوى المعيشي، وصولاً إلى التدهور الاقتصادي لمختلف القطاعات.

يضاف إلى ذلك التصعيد اليومي على الجبهة السورية، الذي بات يحرج ترامب، خاصة في ظل رهانه على النظام الجديد الذي استجاب للمطالب الأمريكية كافة، بما فيها الانضمام إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، والمقايضة التي سيسعى نتنياهو للحصول عليها تتمثل في تخفيف حدة التوتر على الجبهات الأخرى وتقديم تنازلات فيها، مقابل ثمن واضح هو استمرار الوضع في قطاع غزة على ما هو عليه حتى انتهاء الموسم الانتخابي.

قطاع غزة ليس مجرد مسألة إقليمية أو تهديد خارجي، بل يشكل مكوّناً رئيسياً في السياسة الداخلية الإسرائيلية، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات، التي قد تكون مبكرة بأربعة أشهر، في محاولة للحفاظ على وحدة الائتلاف الحكومي وخوض الانتخابات القادمة تحت شعارات وادعاءات تحقيق “انتصارات” على الجبهات السبع التي خاض فيها هذه المعارك.

ما بين طموحات نتنياهو وأجندته الشخصية والحزبية، ومصالح الإدارة الأمريكية، سواء ضاقت الفجوة بينهما أو اتسعت، لا يوجد خلاف جوهري في الإطار الاستراتيجي لكليهما، غير أن الفجوة الأكبر تبقى قائمة بينهما وبين مصالح الشعب الفلسطيني، الذي بات هو وقيادته الشرعية خارج دائرة التأثير في صنع مصيره ومستقبله.

وفي خضمّ هذه المعادلات الإقليمية والدولية، نؤكد تمسّكنا الراسخ بحقّنا الوطني الثابت وغير القابل للتصرّف في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ونشدّد على أن قطاع غزة هو جزء أصيل ولا يتجزأ من هذه الدولة، وأن أي محاولات لفصله سياسياً أو جغرافياً، أو التعامل معه ككيان منفصل أو ملف إنساني وأمني فقط، مرفوضة جملة وتفصيلاً، فالقضية الفلسطينية هي قضية تحرر وطني بالدرجة الأولى، ولا يمكن القفز عنها أو تجاوز حقوق شعبنا المشروعة مهما تعدّدت الصفقات أو تبدّلت التحالفات.

“نضال الشعب”

زر الذهاب إلى الأعلى