أقلام وآراء

السلطة والمجتمع.. جدل الدولة المؤجَّلة

 

بقلم: محمد علوش

يمكن فهم العلاقة القائمة اليوم بين المواطن ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها علاقة جدلية، لا تختزل في بعدها الخدمي أو الإداري، ولا تنفصل في الوقت ذاته عن مشروعنا الوطني الأشمل نحو الحرية وبناء الدولة المستقلة ذات السيادة، فهي علاقة تتقاطع فيها ضرورات الصمود اليومي مع استحقاقات التحرر الوطني، وتتجاور فيها الحاجة الموضوعية إلى سلطة وطنية قائمة مع نقد سياسي مشروع لمسار لم يُتح له أن يكتمل بفعل الاحتلال والانقسام وانسداد الأفق السياسي.

لم تولد السلطة الوطنية الفلسطينية كبديل عن المشروع الوطني، ولا ككيان منفصل عن المسيرة التاريخية الطويلة لشعبنا، بل جاءت ثمرة لتضحيات متراكمة ونضال ممتد قادته منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، والتي حملت راية الكفاح الوطني في مختلف مراحله، ورسخت الهوية الوطنية، وفرضت حضور القضية الفلسطينية على جدول الأعمال الدولي، وفي هذا السياق، تشكّلت السلطة بوصفها أداة من أدوات هذا المشروع، وصيغة انتقالية لإدارة شؤون الشعب الفلسطيني على أرضه، في طريق يقود إلى تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.

منذ تأسيسها، اضطلعت السلطة الوطنية بدور محوري في حماية الوجود الفلسطيني ومنع الفراغ الإداري والمؤسسي، فنجحت، رغم محدودية الصلاحيات وشح الموارد والتحكم الإسرائيلي بالمنافذ والاقتصاد، في بناء منظومة خدمات أساسية في التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والبنية التحتية، وقد أسهم ذلك في توفير حد أدنى من الاستقرار المجتمعي، وتعزيز صمود الفلسطينيين، وحفظ انتظام الحياة العامة في ظل واقع احتلالي يسعى بصورة منهجية إلى تفكيك المجتمع ومصادرة مقومات بقائه.

في هذا الإطار، تعامل المواطن الفلسطيني مع مؤسسات السلطة بوصفها الإطار الوطني القائم لإدارة شؤون حياته اليومية، والحاضنة المؤسسية التي حالت دون انهيار البنى الأساسية للمجتمع، غير أن هذا الارتباط الضروري لم يخل من توترات، إذ رافقه شعور متنامٍ بالمسافة السياسية ، ناجم عن عدم استكمال تنفيذ اتفاقيات المرحلة الانتقالية وتنصل حكومة الأحتلال من هذه الاتفاقيات ، وبالتالي تعثر المسار الديمقراطي ، وتأخر تجديد الشرعيات، وعجز الإنجاز الإداري عن التحول إلى أفق سياسي وطني واضح يعيد وصل مهمة السلطة بمهمتها الأصلية كناقلة لمشروع الدولة الفلسطينية المستقلة .

ولا يمكن مقاربة أداء السلطة بمعزل عن القيود البنيوية المفروضة عليها، فهي سلطة ولدت بلا سيادة، ومنعت من امتلاك أدوات التحكم بالموارد والحدود والقرار الاقتصادي والأمني، وتعرضت باستمرار لسياسات ابتزاز مالي واعتداءات مباشرة على مؤسساتها وكوادرها، ومع ذلك، استطاعت بناء جهاز إداري واسع، ومؤسسات تعليمية وصحية معترف بها، والحفاظ على انتظام العمل العام، بما يعكس قدرة كامنة كان يمكن أن تشكل نواة دولة، لولا أن الاحتلال الإسرائيلي والدعم الأمريكي له حوّل المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة.

في المجال المعيشي، شكّلت السلطة ركيزة أساسية لتأمين الرواتب والخدمات الاجتماعية وبرامج الدعم، ما أوجد علاقة اعتماد متبادل بين المواطن والمؤسسة، فرضتها طبيعة المرحلة، غير أن هذا الاعتماد ظل محصوراً في بعده الوظيفي، ولم يتطور إلى شراكة سياسية واعية، بفعل غياب الحل السياسي وتآكل الأمل بإمكانية الانتقال من سلطة مقيدة إلى دولة حرة ومستقلة وذات سيادة، وهو ما أضعف البعد الوطني الجامع للعلاقة.

أما في المجال الأمني، فقد عملت الأجهزة الأمنية ضمن معادلة شديدة التعقيد، تجمع بين واجب حفظ النظام والقانون والسلم الأهلي وحماية المجتمع من الفوضى، وبين واقع احتلالي يمنعها من أداء وظيفتها الطبيعية في حماية المواطن الفلسطيني من الاعتداءات الخارجية، وهذا التناقض البنيوي أسهم في توترات مع الشارع، لا تعكس بالضرورة طبيعة الدور الأمني بقدر ما تعكس حدود الصلاحيات المفروضة على سلطة تعمل تحت سقف الاحتلال.

وعلى مستوى الشرعية السياسية، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب الإرادة الوطنية، بل في تعطّل المسار الديمقراطي بفعل الانقسام المستمر في الساحة الفلسطينية وبفعل القيود الإسرائيلية، وما ترتب عليه من إضعاف ثقة المواطن بقدرة النظام السياسي على تجديد نفسه، وقد انعكس ذلك سلباً على العلاقة بين المجتمع والمؤسسة، دون أن يلغي حقيقة راسخة مفادها أن السلطة، برغم كل اختلالاتها، ما تزال تنظر إليها باعتبارها منجزاً وطنياً مرحلياً منبثقاً عن منظمة التحرير الفلسطينية، ولا يجوز التفريط به أو القفز عنه.

وتتفاوت متانة العلاقة بين المجتمع والسلطة باختلاف المجالات؛ فهي أكثر صلابة في الجوانب الخدمية والإدارية، حيث يلمس المواطن أثر المؤسسة مباشرة، وأكثر هشاشة في المجال السياسي والتمثيلي المرتبط بتطلعات التحرر والاستقلال، ويعود هذا التفاوت إلى طبيعة نشأة السلطة كسلطة انتقالية لم يسمح لها بالتحول إلى دولة، وإلى استمرار الاحتلال في تفريغ أي إنجاز سياسي من مضمونه السيادي.

لقد تركت الممارسات اليومية للسلطة أثراً مزدوجاً في الوعي الشعبي؛ فمن جهة، عززت جهودها في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية الإحساس بأهمية وجود مؤسسة وطنية جامعة، ومن جهة أخرى، أسهمت البيروقراطية والضغوط الاقتصادية وضعف الموارد في توليد شعور بالإجهاد والاغتراب لدى قطاعات واسعة، وهذا التناقض لا يعكس فشل فكرة السلطة، بل يعكس مأزقها التاريخي كأداة دولة بلا دولة.

أما على صعيد بناء عقد اجتماعي حقيقي، فيمكن القول إن السلطة وضعت بعض أسسه الأولية، لكنها حرمت من استكماله، فالعقد الاجتماعي يفترض سيادة وطنية، واستقلال قرار، واقتصاداً منتجاً، وهي شروط انتزعت قسراً بفعل الاحتلال، ومع ذلك، يبقى تطوير هذا العقد ممكناً من خلال إعادة ربط مهمة السلطة بالمشروع الوطني، وتجديد الشرعيات، وتعزيز المشاركة الشعبية، وتوسيع فضاء الحريات، وإصلاح بنية المؤسسات بما يعمّق الثقة المتبادلة.

إن إعادة بناء علاقة أكثر توازناً بين المجتمع والسلطة تستدعي مساراً وطنياً شاملاً، يقوم على إنهاء الانقسام، وتجديد النظام السياسي عبر الانتخابات، وتوسيع قاعدة الشراكة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وربط وظيفة الأمن بحماية المواطن ومشروعه الوطني، لا مجرد إدارة الواقع القائم، كما تتطلب إرادة سياسية جماعية للدفاع عن السلطة الوطنية باعتبارها إنجازاً مرحلياً وثمرة نضال طويل وتضحيات خاضها للشعب الفلسطيني، وأداة من أدوات الصمود والبناء، لا بديلاً عن مشروع الدولة المستقلة.

في المحصلة، ليست العلاقة بين المواطن الفلسطيني والسلطة الوطنية علاقة فشل، بل علاقة غير مكتملة، أعاق الاحتلال تطورها، وحال دون انتقالها إلى صيغتها الطبيعية كسلطة دولة ذات سيادة، وإنّ حمايتها، وإصلاحها، وتطويرها، وربطها من جديد بمشروعنا الوطني التاريخي الذي قادته منظمة التحرير الفلسطينية، تبقى مسؤولية وطنية جامعة، باعتبارها أحد ميادين الصراع المفتوح من أجل الحرية والكرامة الوطنية وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة.

زر الذهاب إلى الأعلى