أقلام وآراء

 التعليم في فلسطين في ظل ممارسات دولة الاحتلال

 

بقلم: سارة عليان

يعدّ التعليم من أهم الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية، وهو الركيزة الأولى في بناء المجتمعات وتقدمها، وقد كرّس هذا الحق في المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

بالنسبة للشعب الفلسطيني، لا يمثل التعليم مجرد وسيلة للمعرفة أو لكسب الرزق، بل يعد سلاحًا حضاريًا في مواجهة الاحتلال وسياساته، ووسيلة للحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز الصمود والتمسك بالأمل.

على مدار عامين من الحرب المدمّرة على قطاع غزة، لم يكن قطاع التعليم بمنأى عن القصف والاستهداف، فقد تم تدمير 172 مدرسة بشكل كامل، وقُصفت 118 مدرسة أخرى، إضافة إلى التدمير الكامل لـ 63 مبنى جامعيًا، وقصف نحو 100 مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.

تحوّلت العديد من المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، وفقد الطلبة بيئتهم التعليمية الآمنة، وانقطع مئات الآلاف من الطلبة عن مقاعد الدراسة، وتحوّلت أحلام الكثير من الطلاب، التي كانت معلّقة على التخرّج وبناء مستقبل مهني وأكاديمي، إلى حالة من الترقب والضياع في ظل واقع إنساني وأمني مأساوي.

ورغم التحديات غير المسبوقة، تواصل المؤسسات الأكاديمية في قطاع غزة أداء دورها الحيوي. وفي خطوة تعكس إصراراً على استمرار الحياة التعليمية، أعلنت عدة جامعات في قطاع غزة عن فتح أبوابها لاستقبال الطلبة للعام الدراسي 2025/2026، ساعيةً لإعادة إحياء المسيرة الأكاديمية وتوفير مساحة من الاستقرار للمجتمع الغزي.

وإلى جانب هذه الجهود، نظّمت جامعة الأزهر في غزة حفل استقبال للطلبة الجدد، وتُعد هذه الجامعة، التي تأسست عام 1991 بقرار من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، رمزاً تاريخياً لمكانة العلم وثقافة الصمود.

وتعقد المحاضرات اليوم في قاعات شبه مدمّرة تفتقر لأبسط الإمكانات، إلا أنها تعجّ بطلبة يحملون في أعينهم إصرارًا يفوق حجم الدمار المحيط بهم.

وفي خطوة تهدف إلى استعادة النظام التعليمي، أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية توجهها لتحقيق عودة تدريجية للتعليم الوجاهي في جميع أنحاء قطاع غزة.

وتأتي هذه الخطوة بعد فترة طويلة من الاعتماد على أنماط التعليم الطارئ والمحاولات المحدودة للتعليم عن بُعد، والتي لم تكن كافية لتلبية الاحتياجات الأكاديمية والنفسية للطلبة.

وصرح وزير التربية والتعليم بأن الخطة الوطنية تهدف إلى “إغاثة التعليم”، والعمل على إعادة انتظامه بشكل مستقر بحلول عام 2026، وذلك من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية للمدارس وإيجاد بيئات تعليمية مؤقتة إلى حين إعادة الإعمار الكامل.

ولا يمكن الحديث عن واقع التعليم في قطاع غزة دون الإشارة إلى معاناة آلاف الطلبة العالقين داخل القطاع، والذين حصلوا على قبول جامعي أو منح دراسية في الخارج، فوجدوا أنفسهم عالقين داخل القطاع، غير قادرين على السفر بسبب الحصار المستمر وإغلاق المعابر.

يعيش هؤلاء الطلبة حالة من القلق والتيه، وهم يرون مستقبلهم الأكاديمي يتبدد مع كل يوم يمر، وبعضهم فقد منحته الدراسية، وآخرون أُجبروا على تأجيل مسيرتهم التعليمية لسنوات، في مشهد يختزل مأساة جيل كامل يحمل مؤهلاته وأحلامه، لكنه لا يجد ممراً لتحقيقها، ولا يستطيع سوى الانتظار في ظل واقع قسري يجمد طموحه ويصادر حقه الأساسي في بناء مستقبله.

لا يُمثّل استئناف العملية التعليمية في مدارس وجامعات قطاع غزة مجرد استجابة طارئة للواقع الناشئ عن الدمار، بل هو تجسيد لإرادة جماعية راسخة، فالشعب الفلسطيني، وبالرغم من التحديات غير المسبوقة التي واجهها، يؤمن بأن العلم هو الطريق الوحيد لبناء المستقبل والانتصار على المحتل.

هو لا يرى في التعليم مجرد وسيلة للتعلم، بل سلاحاً حضارياً يقاوم به طمس الهوية، وأداةً لبناء الإنسان حجر الأساس في إعادة إعمار وطنه وتحقيق حريته.

ويشكل استمرار المسيرة التعليمية رسالة ثابتة تؤكد أن الحق في التعليم هو الوجه الآخر للحق في الوجود. فالعلم هنا شرط أساسي للبقاء والنهوض.

زر الذهاب إلى الأعلى