راية تضامن واحدة في وجه الهيمنة


بقلم: محمد علوش
في عالم يتقاطع فيه ضجيج الفوضى مع صراع القوى الكبرى، تتخذ الهيمنة الأميركية شكل طوق محكم يضيق على الشعوب التي اختارت أن تكون حرّة، شعوب رفعت رأسها في وجه منظومة لا ترى في العالم إلا خرائط نفوذ، ولا ترى في الدول إلا ملفات يجب إخضاعها أو إعادة تشكيلها وفق مقاسات القوة المهيمنة، وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يغدو التضامن قيمة أخلاقية وسياسية متقدمة، لا شعاراً عابراً ولا مجاملة بروتوكولية، بل فعل انحياز واضح إلى الحقيقة وإلى صوت الشعوب التي تتمسّك باستقلالها وحقها في تقرير مصيرها.
نقف مع فنزويلا لأنها تشكّل واحدة من أبرز التجارب التي صمدت في وجه الحصار الأميركي، بما يحمله من عقوبات وتجويع ومحاولات كسر إرادة اقتصادها وشعبها، ورغم كل الضغوط، بقيت كاراكاس ثابتة في موقعها، رافعة راية السيادة الوطنية، ومدافعة عن ثرواتها وقرارها الحر، ورافضة أن تكون تابعاً في عالم يعاد ترتيب أدواره وفق حسابات القوة الأكبر.
ونقف مع كوبا التي أثبتت، رغم ستة عقود من الحصار، أن الكبرياء الوطني قادر على إنتاج نموذج إنساني في التعليم والصحة والثقافة.. إنها دولة تعاقب لأنها اختارت الكرامة على التبعية، ولأنها بقيت شاهداً على إرادة شعب لم يهزم بالعقوبات ولا بمحاولات العزل والشيطنة المتكررة.
كما نقف مع شعوب أمريكا اللاتينية التي خاضت معارك شرسة ضد الديكتاتوريات والانقلابات المصنّعة في غرف الوكالات الأمنية الغربية، من بوليفيا ونيكاراغوا إلى تشيلي والبرازيل، تمتد ذاكرة مشتركة من الألم والنضال والبعث المتجدد، وإرادة أممية تعيد رسم معنى التحرر في مواجهة قوى تحاول إعادة إنتاج تاريخ طويل من السيطرة بأدوات وأساليب جديدة.
ونقف مع الصين لأنها تمثل ركناً أساسياً في تشكّل عالم متعدد الأقطاب، فالصين، بنموذجها السياسي والاقتصادي، تطرح بديلاً واقعياً عن الأحادية القطبيّة التي سخّرت المؤسسات الدولية لعقود لتبرير التدخل وإخضاع الدول تحت عناوين براقة، وهي قوة تؤمن باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ما يجعل حضورها رافعة حقيقية لإعادة التوازن في النظام الدولي وشريكاً أساسياً في معركة التحرر العالمية.
وبين فلسطين وهذه الشعوب، تمتد قواسم عميقة صاغها الوعي الإنساني المقاوم، قواسم الألم تحت الحصار، ومواجهة الاحتلال والاستغلال والابتزاز، والدفاع عن الذاكرة والهوية والحق في الكرامة والمستقبل، فالفلسطيني الذي يعيش يومياً تحت قيد الاحتلال والجدران والقتل المنهجي، يرى انعكاس تجربته في العامل الفنزويلي الذي يخوض معركة العقوبات، وفي المعلّم الكوبي الذي يواصل رسالته رغم ضيق الإمكانات، وفي الفلاح البوليفي الذي يصمد أمام الشركات العابرة للقارات التي تريد الأرض بلا أهل والثروة بلا شعب.
إن التضامن مع هذه الدول ليس انحيازاً سياسياً عابراً، بل امتداد طبيعي لجذر فلسطيني أصيل يؤمن بأن الحرية وحدة لا تتجزأ، فمن يقف ضد الهيمنة في كاراكاس وهافانا وبكين وسانتياغو، إنما يقف أيضاً مع القدس وغزة ونابلس ورام الله، لأن المنظومة التي تحاصر تلك الشعوب هي ذاتها التي تسعى إلى مصادرة إرادتنا وتقويض حقنا في الحياة الحرة.
إن رفع راية التضامن اليوم هو تأكيد بأن الشعوب قادرة، رغم كل الضغوط والعواصف، على تشكيل جبهة إنسانية واسعة في مواجهة مشروع إمبراطوري يسعى إلى إعادة صياغة العالم كحديقة خلفية لواشنطن، ومن فلسطين التي تنحت طريقها بالمقاومة والإصرار، إلى الدول الصديقة التي لم تنحن، تبقى الحقيقة واحدة.. الحرية تنتزع ولا تمنح، والسيادة تحمى ولا تشترى، والتضامن ليس شعاراً بل قدر ومسار وموقف يليق بالشعوب التي رفضت وترفض أن تهزم.