فلسطين ما بين مشروعي قرار بمجلس الأمن


بقلم: د. أحمد مجدلاني
يحتدم الصراع في أروقة مجلس الأمن، وربما منذ سنوات طويلة لم يشهد هذا الصدام الروسي– الأمريكي الهادئ هذا المستوى من التنافس على منطقة الشرق الأوسط، ومدخله القضية الفلسطينية، وهذا التنافس بين مشروعي قرار أحدهما مقدم من الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الحصول على تفويض دولي لتطبيق خطة ترامب ذات النقاط العشرين، وأرفقت الخطة بمشروع القرار ليجري التصويت عليها كجزء لا يتجزأ منه، وما بين المشروع الروسي الذي قُدِّم بعدما وصلت المشاورات داخل مجلس الأمن والدول الثماني العربية والإسلامية لمراحل من الاستعصاء، رغم استجابة الولايات المتحدة لإجراء تعديلات غير جوهرية على مشروع القرار بعد كسر الصمت بالمرة الأولى من قبل الجزائر ليعيد مجدداً النقاش المفتوح على مشروع القرار في ظل سعي الولايات المتحدة إلى فرض إيقاع سريع داخل مجلس الأمن لإقرار النسخة الثالثة من المشروع الأمريكي بشأن قطاع غزة، فيما أثارت التعديلات التي أُدخلت على مسودة القرار الأميركي تحفظات إسرائيلية تتعلق بدور الأمم المتحدة، وصلاحيات هيئة الحكم الانتقالية، ومهام قوة الاستقرار الدولية.
وفي المقابل ترى بكين وموسكو أن مشروع القرار “منحاز لإسرائيل” ويفتقر إلى آليات المساءلة، وتستعد روسيا والصين للتصويت ضد القرار بصيغته الحالية، ما يهدد بإسقاطه قبل الوصول إلى التصويت، وتقدمتا بمشروع قرار بديل في مواجهة مشروع القرار الأمريكي، وسط تحذيرات أميركية من أن “عرقلة المسار قد تترك فراغاً خطيراً” في إدارة المرحلة المقبلة في قطاع غزة.
ومن أبرز التعديلات في المسودة الأميركية الجديدة التي تُعتبر الثالثة لضمان دعم الدول الثماني والأغلبية في مجلس الأمن وتفادي الفيتو الروسي المدعوم من الصين:
- تعزيز الإلزام بتنفيذ الخطة: أُضيف في البند الأول نصّ يدعو الأطراف إلى “تنفيذها بالكامل، بما في ذلك الالتزام بوقف إطلاق النار، بحسن نية ومن دون تأخير”؛ وهو تشديد لم يرد في النسخ السابقة.
- إشارة مباشرة إلى تقرير المصير: تضمّن البند الثاني توسيعاً لافتاً ينص على أن “تنفيذ خطة الإصلاح التابعة للسلطة الفلسطينية بصورة موثوقة، وتقدم إعادة إعمار غزة، قد يوفران الشروط لمسار معتبر نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة دولة”؛ وهو ما تعتبره إسرائيل اقتراباً من مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن دولة فلسطينية بعد إصلاحات دستورية.
- إلزام تل أبيب بمفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين: وبخلاف النسختين السابقتين، تشير المسودة الثالثة صراحةً إلى إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً، وتقول إنه مع تنفيذ إصلاحات السلطة وتقدم إعادة إعمار غزة “قد تصبح الظروف مناسبة لمسار موثوق نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية”، وأُضيفت صياغة جديدة تنص على أن “الولايات المتحدة ستجري حواراً بين إسرائيل والفلسطينيين للتوصل إلى أفق سياسي للعيش المشترك بسلام وازدهار”، بما يرسخ دوراً تفاوضياً أميركياً أكبر.
- استبدال “الحكومة الانتقالية”: جرى تعديل المصطلح إلى “إدارة انتقالية”، بحيث ينص المقترح على أن “مجلس السلام” الذي أعلنه ترامب ضمن خطة “النقاط العشرين” سيعمل كـ “إدارة انتقالية” في قطاع غزة، بما ينسجم مع لغة الوثيقة الأصلية، كما يسمح القرار للدول الأعضاء بتشكيل “قوة استقرار دولية مؤقتة” تعمل مع إسرائيل ومصر والشرطة الفلسطينية لنزع سلاح الجماعات المسلحة وتأمين الحدود، وحماية المدنيين، وتأمين ممرات الإغاثة.
التعديلات على مشروع القرار الأمريكي تؤكد مجدداً أن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية أولوية على المصالح الإسرائيلية، وأنه عندما يتعلق الأمر بإدارة الصراع الدولي تتخذ الولايات المتحدة ما ينسجم مع استراتيجيتها بصرف النظر عن ردود أفعال الحكومة الإسرائيلية، التي ترى أن هذه التعديلات “تشكّل تغييرًا جوهريًا” عن النسختين السابقتين، وتمسّ مباشرة بحرية العمل العسكري للجيش. كما تتحفظ على النصوص التي تربط استمرار المساعدات الإنسانية بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية، وتفويض قوة الاستقرار الدولية بمهام “حساسة” تشمل حماية ممرات الإغاثة و”متابعة عمليات الجيش مستقبلاً”، معتبرة أن هذه البنود قد تتحول إلى “قيود مُلزِمة” تفرض رقابة دولية على تحركاتها.
ويتعلق الخلاف الجوهري أيضاً بين واشنطن وتل أبيب بطبيعة المرحلة الانتقالية: الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت دور دولي واسع يشمل الأمم المتحدة ودولاً عربية، فيما تريد إسرائيل إبقاء التحكم العسكري والسياسي في يدها، ومنع أي صياغة قد تستخدم مستقبلاً لدعم مطالب سياسية فلسطينية أو لتقييد عملياتها العسكرية، غير أن المقترح الأميركي المتعلق بقوة الاستقرار يتضمن بنودًا “غير مريحة لإسرائيل”، من بينها نزع حق الفيتو عن تل أبيب بشأن الدول المشاركة في القوة، رغم أن النص يبقى ضمن الإطار العام لاتفاق وقف إطلاق النار الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية.
وقدّمت موسكو مشروع قرار مضادًا للمشروع الأمريكي، وقالت إن “مشروع قرارها مستوحى من مشروع القرار الأميركي”، وأوضحت أن “الهدف من مسودتنا هو تمكين مجلس الأمن من اعتماد نهج متوازن ومقبول وموحد لتحقيق وقف مستدام للأعمال القتالية”، وتخلو المسودة الروسية من “مجلس السلام”، وتتضمن بنوداً تعتبر “الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تهديداً لأمن المنطقة”، وتدعو الأمين العام لدراسة خيارات تشكيل قوة دولية، مع التشديد على حلّ الدولتين ورفض أي تغيير ديمغرافي أو جغرافي في غزة.
هذا الاحتدام بالمواقف والانقسام بمجلس الأمن حضّت بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مجلس الأمن على المضي قدماً في إقرار النص الأميركي، معتبرة المشروع الروسي “محاولات بثّ الشقاق الآن، في وقت يجري فيه التفاوض بشكل نشط على هذا القرار، ستترتب عليها تبعات خطيرة وملموسة ويمكن تفاديها تماماً بالنسبة للفلسطينيين في غزة”، واتبعت ذلك ببيان مشترك مع الدول الثماني العربية والإسلامية اعتبرت فيه مشروع القرار الأمريكي يتيح مساراً نحو تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولته، وقالت: “ونؤكد أن هذا جهد صادق، وأن الخطة توفر مساراً عملياً نحو السلام والاستقرار، ليس فقط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل في المنطقة بأكملها”.
تسلحت واشنطن بمجموعة الدول الثماني مضافاً إليها الموقف الرسمي الفلسطيني، الذي أيد موقف الدول الثماني، حيث كان قد أبلغ مع بداية التفاوض على مشروع القرار الأمريكي التزامه بالموقف المشترك مع هذه الدول التي أدارت التفاوض على مشروع القرار.
المسألة الآن لدى الفلسطينيين ليست المفاضلة ما بين مشروع القرار الأميركي أو الروسي، والذي بدون شك سيكون الميل دون تردد نحو المشروع الروسي، لكن المسألة الأساس أن حظوظ نجاح مرور المشروع الروسي قد تبدو ضئيلة للغاية مع هذا القدر من الدعم الإقليمي والعربي والإسلامي ومع غالبية أعضاء مجلس الأمن لمشروع القرار الأميركي المعدل بصيغته الثالثة.
نعم، مشروع القرار الروسي المدعوم من الصين الشعبية كان خطة اعتراض مهمة ولعبة دبلوماسية ناجحة بامتياز، خاصة بعد الدور التفاوضي الروسي– الصيني في المفاوضات على المسودة الأولى والثانية من المشروع والتي أحدثت تغييراً جوهرياً به، لكن الأمر ليس برغبتنا بل بموازين القوى داخل مجلس الأمن، رغم إدراكنا أن الفيتو الروسي أو الصيني أو كلاهما معاً يعطلان مشروع القرار الذي رغم عدم استجابته لكل مطالبنا فإنه عمّق الخلاف الأميركي– الإسرائيلي في الوقت الذي كان متطابقاً في الصيغة الأولى، لكن رغم أهمية هذا التباين والاختلاف الأميركي– الإسرائيلي والذي يحد من الدور الإسرائيلي في المرحلة الثانية التي كانت مقررة بعد 72 ساعة من إعلان الخطة يوم 29 سبتمبر الماضي، فإن ما نخشاه هو مصير شعبنا؛ فليس لدينا ترف الوقت، خصوصاً مع وقف إطلاق نار هش، وقرار إسرائيلي بعدم الانتقال للمرحلة الثانية مختلقاً الأعذار والمبررات لاستمرار القتل والتدمير بما تبقى من مقدرات شعبنا البشرية والمادية.
وقف الحرب، وإدخال المساعدات الإغاثية، ووقف الهجرة والتهجير، والانتقال للمرحلة الثانية مع ضمان وحدة الأرض الفلسطينية بقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة، والذهاب إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار بين الفلسطينيين والإسرائيليين وفق القانون الدولي والشرعية الدولية.. هي أولويتنا التي لا تتقدم عليها ولا تعلو عليها أية أولوية أخرى.
نضال الشعب