الجهود السعودية لدعم القضية الفلسطينية: التزام راسخ برؤية عالمية


بقلم: محمد الحافي
لعبت المملكة السعودية دورًا محوريًا في المنطقة؛ لجهة حل النزاعات الداخلية والصراعات بين دول المنطقة على إثر ما عرف بثورات الربيع العربي عام 2011. وتضع المملكة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بموقع الصدارة في سياستها الخارجية، وتؤكد أن حل القضية الفلسطينية هو مدخل لاستقرار المنطقة وازدهارها.
تنوعت التدخلات السعودية لدعم الشعب الفلسطيني وقضيته، (سياسيًا، ماليًا، دبلوماسيًا وإنسانيًا)، خصوصًا مع استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة منذ عامين. وتلتزم المملكة بموقف ثابت بما يخص الحقوق الفلسطينية، وقد نالت المبادرة السعودية الفرنسية قبولًا ودعمًا دوليين يجب البناء عليه من خلال إجراءات واقعية، وهذا يستوجب موقف عربي موحد لمواجهة التغول الصهيوني على الفلسطينيين، وإيجاد حل دائم لأصل الصراع في المنطقة، لا سيما وأن المملكة تقدم رسالة سلام وفرصة للتعايش ووقف الحرب وحقن الدماء، وهي رسالة سامية تدعمها غالبية ساحقة حول العالم.
أولًا: الموقف السعودي من القضية الفلسطينية توجه راسخ: تتبنى المملكة موقفا ثابتًا تجاه الحقوق الفلسطينية المسلوبة؛ يؤكد على مركزية القضية الفلسطينية ودعمها، فالسعودية دعمت الثورة الفلسطينية عام 1936، وقدمت مساعدات مالية وعسكرية، حيث شارك الجيش السعودي بحرب 1948، وتشكلت لجان شعبية لدعم الفلسطينيين فترة حكم الملك فيصل، وقد برز الدور السعودي الداعم للقضية الفلسطينية خلال القمة العربية الطارئة في مكة عام 1981 بدعوة من الملك “خالد بن عبد العزيز” على إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان؛ حين طرح ولي العهد في حينها الأمير فهد مبادرته لأول مرة، والتي أكدت أن فلسطين قضية الأمة الإسلامية الأولى؛ لا يجوز التخلي عنها، وأكدت على الالتزام بتحرير الأراضي الفلسطينية والعربية التي أحتلت عام 1967، مع رفض المساس بالسيادة العربية على مدينة القدس، وضرورة الالتزام باستعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني وحقه في العودة وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. لم تلق المبادرة حينها إجماعًا عربيًا بسبب اعترافها الضمني بإسرائيل، وأثارت خلافات في الموقف العربي.
وقد أعاد الملك فهد (رحمه الله) مبادرته خلال القمة العربية في فاس 1982 التي عرفت بمشروع السلام العربي، وشكلت أول مبادرة عربية متكاملة لحل الصراع العربي الإسرائيلي وقدمت تصورًا عمليًا مبكرًا لحل الدولتين. عكست مبادرة الملك فهد تحولًا في الموقف العربي الرسمي تجاه إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 67. لاقت المبادرة قبولًا عربيًا ودوليًا، لكنها رفضت من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. كما شكلت المبادرة الأساس الذي بنيت عليه لاحقًا مبادرة السلام العربية التي طرحها الأمير عبد الله بن عبد العزيز (رحمه الله) خلال القمة العربية في بيروت عام 2002، والتي أكدت على الدعم الثابت للشعب الفلسطيني ونضاله في وجه الاحتلال الإسرائيلي بمختلف الأشكال، بالإضافة للدعم المالي الذي تقدمه المملكة للسلطة الفلسطينية، ولم يتغير الموقف السعودي لاحقًا بل استمر في دعم الحقوق الفلسطينية وفق مبادرة السلام العربية.
ثانيًا: المحاولات السعودية لإنهاء الانقسام وترتيب البيت الفلسطيني: مثّل اتفاق مكة (2007) بين حركتي فتح وحماس برعاية سعودية أول مبادرة عربية لإنهاء الانقسام الفلسطيني، لكن تعنت حماس وارتباطاتها الخارجية أفشل الاتفاق بعد أن انقلبت على الشرعية وسيطرت على غزة بالقوة المسلحة، واستمرت في إفشال كل مساعي إنهاء الانقسام. وقد استهجنت حينها محاولات حماس لتأسيس كيانية فلسطينية في غزة بعيدًا عن السياق الوطني ومنظمة التحرير، في حين دعمت إسرائيل الانقسام وعمقته كهدف استراتيجي.
بعد توتر وانقطاع في العلاقات، استضافت الرياض كامل المكتب السياسي لحركة حماس مرتين؛ إحداهما في أبريل 2023، بحثت خلالها الملف الفلسطيني بحضور الرئيس عباس، وناقشت سبل إنهاء الانقسام ودمج حماس في النظام السياسي الفلسطيني، والزيارة الأخرى في يونيو، وبعدها استُكملت اللقاءات في القاهرة بحضور جميع الفصائل الفلسطينية، لكن دون تحقيق اختراق حقيقي، في ظل تعنت حماس وانسداد الأفق السياسي لتسوية القضية الفلسطينية. وفي هذا الصدد؛ لا بد من التمييز بين الموقف السعودي الثابت من القضية الفلسطينية وبين موقف المملكة من حركة حماس؛ التي لم تستمع للنصائح السعودية وتختلف مع أطروحاتها السلمية لتسوية القضية الفلسطينية، ورغم ذلك دعمت السعودية الجهود العربية والدولية الأخرى لتوحيد الموقف الفلسطيني.
ثالثًا: الجهود السعودية لدعم القضية الفلسطينية في سياق عالم متغير: تحظى المملكة السعودية بمكانة دينية وموارد استراتيجية مكنتها من صياغة مشروعها النهضوي الذي طرحه ولي العهد محمد بن سلمان (حفظه الله) عام 2016 (رؤية السعودية 2030)، والتي رسمت مستقبل طموح للمملكة سياسيًا وتنمويًا، بما يؤهلها للعب دورًا محوريًا على المستويين الإقليمي والدولي، فقد أنجزت التحركات السياسية للمملكة خلال السنوات الأخيرة المصالحة الخليجية مع قطر، وإعادة العلاقات المصرية مع تركيا وقطر، كما أكد تطبيع العلاقات مع إيران رغبة المملكة في تهدئة المنطقة وحفظ أمنها واستقرارها.
عكس “إعلان جدة” مايو 2023 إرادة سعودية وتوافقًا عربيًا حول أولوية القضية الفلسطينية ودعمها باعتبارها قضية العرب الأولى، واستنكر الإعلان الممارسات العنصرية الإسرائيلية التي تستهدف وجود الفلسطينيين وأرواحهم، ودعا إلى تكثيف الجهود العربية للتوصل لتسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. كما دعا الإعلان المجتمع الدولي للعمل على وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والتي تقوض جهود السلام، مع ضرورة تفعيل العمل العربي المشترك. وقد جاء “إعلان جدة” متماشيًا مع الرؤية السعودية لتسوية أزمات المنطقة بالطرق السلمية، ومثل الأساس الذي بنيت عليه مبادرة حل الدولتين لاحقًا.
توالت الجهود والمبادرات السعودية لتسوية القضية الفلسطينية داخل الجامعة العربية وخارجها، فقد أكدت المملكة خلال القمة العربية الطارئة بالرياض (نوفمبر 2023) دعمها لمبادرة السلام العربية ورفض التهجير القسري للفلسطينيين، وقد أجرت المملكة اتصالات مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين وروسيا) من اجل وقف الحرب الإسرائيلية على غزة. كذلك دعمت السعودية كل المبادرات الدولية ومشاريع القرارات الأممية الهادفة لوقف الحرب في غزة.
رابعًا: مبادرة حل الدولتين: تتويج للتحركات السعودية لتسوية القضية الفلسطينية استمرت الجهود السعودية لإيجاد تسوية سياسية للصراع مع إسرائيل، خصوصًا في ظل سعي الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية. كما أبدت المملكة خلال العقد الأخير انفتاحًا على جميع الفاعلين الإقليميين والدوليين ما منح الدبلوماسية السعودية زخمًا أكبر. ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة؛ تفاعلت الدبلوماسية السعودية والعربية لتوحيد الموقف العربي، والتنسيق مع القوى العالمية لطرح مبادرة حل الدولتين 2025، والتي تبنتها الأمم المتحدة بأغلبية 142 دولة “إعلان نيويورك”؛ في تحد واضح للرغبات الأمريكية والإسرائيلية، والإصرار على تحقيق الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كحد سياسي متوافق عليه فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا.
كذلك أدان “إعلان نيويورك” هجمات حماس في السابع من أكتوبر ودعاها لإطلاق جميع الرهائن، وتسليم السلاح وحكم غزة للسلطة الفلسطينية، مع وجوب توحيد غزة والضفة الغربية، كذلك دعم وكالة الأونروا، والدولة الفلسطينية. وجدير بالذكر هنا، أن طرح خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة جاءت للتحلل من الضغط السياسي والأخلاقي الذي أنتجه الدعم الدولي لمخرجات “مؤتمر حل الدولتين” و”إعلان نيويورك”، والذي أدخل إسرائيل في عزلة دولية، بالإضافة لإصرار إدارة ترامب على احتكار ملف الوساطة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتقديم نفسه كرجل سلام، فيما لا تقدم الخطة تصورًا شاملًا لحل أسباب الصراع، ولا تنص على إقامة دولة فلسطينية. وقد رحبت المملكة بالتوصل لوقف الحرب في غزة مؤخرًا؛ معتبرة أن الأولوية لحقن دماء الفلسطينيين.
هكذا عكست المواقف السعودية التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا راسخًا تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته باعتبارها قضية عربية تمثل جوهر الصراع في المنطقة التي لن يسودها الاستقرار دون إنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الفلسطينية وتجسيد الدولة الفلسطينية.
خاتمة:
تمتلك المملكة من المكانة والرسالة الدينية والأخلاقية ما يؤهلها للتأثير على المستوى العالمي فيما يخص القضية الفلسطينية، ويؤكد ذلك الإجماع العربي والدولي على دعم المبادرة السعودية الفرنسية و”إعلان نيويورك”، مما جعل إدارة ترامب تستعجل في طرح خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة فقط، وتحرير الرهائن، بما يصوره كداعم للسلام العالمي، مع أن الخطة لا تقدم مشروع سياسي لتسوية القضية الفلسطينية.
لذلك على المملكة السعودية الاستمرار والمثابرة لتنفيذ رؤيتها لتسوية الصراع سياسيًا “إعلان نيويورك”، والتي لم يرفضه سوى أمريكا وإسرائيل، وذلك من خلال:
- أن تتنبه القيادة الحكيمة في المملكة للدور الذي ستلعبه المملكة في تنفيذ خطة ترامب، وترتيبات اليوم التالي في غزة، والتمسك بدور مركزي للسلطة الفلسطينية في غزة كما في الضفة الغربية، وأن تكون الخطة جزءًا من مشروع سياسي يقود لدولة فلسطينية، بحيث لا يتم تجاوز المساعي العالمية لتطبيق “إعلان نيويورك”، والضغط على الولايات المتحدة لقبول الإعلان وتنفيذ بنوده، مع التمسك برفض التطبيع مع إسرائيل قبل تجسيد الدول الفلسطينية على الأرض.
- توظيف الثقل السياسي والاقتصادي للملكة في المنظمات الإقليمية والدولية لتتبنى الرؤية السعودية لتسوية الصراع، وتفعيل فرق عمل دبلوماسية وفنية لحشد دعم سياسي ومالي دائم للدولة الفلسطينية المعترف بها دوليًا، وتفعيل شبكة الأمان العربية، بالتوازي مع متابعة إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، والعمل على توحيد الموقف الفلسطيني، وهو شرط أساسي لنجاح أي حل سياسي.
- تعزيز التعاون والشراكات العربية والدولية، وبناء التحالفات مع الدول المؤثرة، لحماية المصالح السعودية والعربية وتحشيد الدعم لحل الدولتين في مواجهة مخططات ترامب التي تتجاهل الحقوق الفلسطينية والعربية، خصوصًا وأن أطروحات التسوية السلمية التي تطرحها المملكة والتي تبلورت في “إعلان نيويورك” تتلاقى مع أفكار الرئيس محمود عباس ورؤيته السياسية ومع رؤية المجتمع الدولي لتسوية القضية الفلسطينية، كما تقدم رسالة حقيقية للسلام الإقليمي والعالمي.