مشروع القرار لمجلس الأمن: وصاية أمريكية بتفويض أممي


بقلم: د. أحمد مجدلاني
طُرح للتداول الرسمي وغير الرسمي مشروع قرار لمجلس الأمن مقدَّم من الإدارة الأمريكية، يتعلق بخطة الرئيس ترامب لتشكيل قوة الاستقرار الدولية والمرحلة الانتقالية في غزة بعد وقف الحرب، وقد تضمَّن مشروع القرار آلية لتنفيذ خطة ترامب، تقضي بأن تكون قيادة قطاع غزة تحت إدارة مجلس السلام برئاسة الرئيس ترامب، سيبقى قائماً حتى نهاية عام 2027 على الأقل، ليس كجهة إشراقية لتطبيق قرار مجلس الأمن، بل كـ”إدارة انتقالية للحكم” مخوّلة من مجلس الأمن، وتناط بها مهام تحديد الأولويات تمهيداً لنشر أولى القوات في غزة بحلول يناير المقبل، وهي قوات تسمّى “قوة الأمن الدولي”، لا لحفظ السلام بل لـ”استقرار الوضع الأمني في غزة” من خلال نزع السلاح وتدمير البنية التحتية العسكرية والهجومية للجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع إعادة بنائها.
ويُفهم من ذلك، أن تفويض القوة يشمل نزع سلاح حركة حماس إذا لم تبادر هي أو فصائلها إلى ذلك طوعاً، ويضيف المشروع أن القوة يمكن أن تتولى “مهام إضافية حسب الحاجة دعماً لاتفاق غزة”، وستُكلّف القوة الدولية بتأمين حدود غزة مع إسرائيل ومصر، وحماية المدنيين والممرات الإنسانية، وتدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة تتعاون معها في تنفيذ المهام، ومن المقرّر أن تؤمّن القوة الدولية القطاع خلال فترة انتقالية تنسحب خلالها إسرائيل تدريجياً من مزيد من المناطق في غزة، وسيجري نشر القوة تحت “قيادة موحّدة يوافق عليها مجلس السلام”، على أن تنفَّذ عملياتها “بالتشاور والتعاون الوثيق مع مصر وإسرائيل”، ويمنحها المشروع صلاحية “استخدام جميع الوسائل الضرورية لتنفيذ تفويضها وفقاً للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي”.
ويدعو المشروع أيضاً إلى تمكين مجلس السلام من العمل كـ”إدارة انتقالية للحكم”، تحدّد الأولويات وتنسّق تمويل إعادة إعمار غزة، إلى أن تنجز السلطة الفلسطينية برنامج الإصلاح المطلوب وتحصل على موافقة المجلس، وسيشرف المجلس على تشكيل “لجنة تكنوقراطية فلسطينية غير سياسية من أبناء القطاع تتولى إدارة الشؤون اليومية والخدمات المدنية”، كما ينص المشروع على أن تُقدَّم المساعدات عبر منظمات تتعاون مع مجلس السلام، منها الأمم المتحدة والصليب الأحمر والهلال الأحمر، مع حظر أي جهة يُثبت إساءتها استخدام المساعدات أو تحويلها عن مسارها.
إن تشكيل قوة الأمن الدولية ولجنة التكنوقراط وتنسيق تمويل إعادة الإعمار، إلى أن تنجز السلطة الفلسطينية برنامج الإصلاح المطلوب وتحصل على موافقة المجلس، تمثل جوهر المشروع الأمريكي، إلى جانب ذلك، يمنح المشروع دولة الاحتلال صلاحيات أمنية وغير أمنية خاصة خلال فترة انتقالية غير محددة زمنياً، بل مرتبطة بنتائج التنفيذ، وكما هو معروف من التجربة الفلسطينية، فإن الاتفاقيات الانتقالية غالباً ما تتحول إلى نهائية.
الولايات المتحدة، بمشروع قرارها، تضع حجر الأساس لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، وتؤسس لحالة كيانية تديرها باسم “مجلس السلام”، إلى أن “تنجز السلطة الفلسطينية برنامج الإصلاح المطلوب وتحصل على موافقة المجلس”، وهنا تكمن الشرطية التي تفتح باب التمديد لما لا نهاية له، استناداً إلى القاعدة الأمريكية الشهيرة: “ما قمتم به جيد، لكنه غير كافٍ”.
العرض الأولي لعناصر القرار الأمريكي، الذي سُرّب ووُصف بأنه “حساس لكنه غير سري”، كان هدفه قياس ردود الفعل العربية والدولية على المشروع، واعتباره أرضية للحوار والتعديل ضمن سقف مرسوم سلفاً، يكرّس هيمنة الإدارة الأمريكية على “مجلس السلام”، ويُغيّب مرجعية الشرعية الدولية التي نصّت على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ووحدة الأراضي الفلسطينية المحتلة المحددة بقرارات 242 و338، إضافة إلى القرار 2334 الصادر في ديسمبر عام 2016، كما يتجاهل المشروع الاعتراف بدولة فلسطين، العضو المراقب في الأمم المتحدة، التي تحظى بامتيازات تتساوى مع حقوق العضو الكامل باستثناء التصويت، والمعترف بها من 160 دولة تشكّل الغالبية العظمى من دول العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبهذا الاعتراف، فإن دولة فلسطين هي صاحبة الولاية السياسية والقانونية على الأرض الفلسطينية بموجب القانون الدولي والشرعية الدولية، واستبعادها من المشروع الأمريكي يُجسّد موقف إدارة ترامب الرافض لوجود دولة فلسطينية، ومحاولته حصر الكيانية الفلسطينية في قطاع غزة تحت “رقابة خاصة”، يقرّر هو وحده زمن انتهائها ويربطه بأجندة إصلاح يحدّد قبولها من عدمه، لتتحوّل “المرحلة الانتقالية” إلى حكم دائم.
أما مصير الضفة الغربية والقدس الشرقية فيُترك لما تحدده أجندة اليمين القومي والديني الإسرائيلي، عبر مواصلة مصادرة الأرض، والاستيطان، والضمّ التدريجي، وصولاً إلى ذوبان السلطة الوطنية الفلسطينية وتحلّلها.
لقد كنا وما زلنا نطالب بـتفويض دولي للمرحلة الانتقالية، كي لا يقع قطاع غزة تحت الوصاية الأمريكية، نريد تفويضاً دولياً على أساس الشرعية الدولية والقانون الدولي، بما يضمن وحدة الأرض الفلسطينية وهويتها وولايتها السياسية والقانونية، لا خلق “شرعية بديلة” عن قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
نريد تفويضاً يؤكد العلاقة بين مجلس السلام – كما وصفته خطة الرئيس ترامب – باعتباره آلية متابعة مؤقتة لمرحلة انتقالية تهدف إلى توحيد الضفة وغزة، بينما يعتبره مشروع القرار جسماً إدارياً للحكم، ما يغيّر طبيعته كلياً، دون أن يحدّد علاقته بالسلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها الشرعية، كما لم يتطرق النص إلى رفض التهجير القسري، ورفض الاحتلال والضمّ، ولا إلى الانسحاب الإسرائيلي الشامل من القطاع، فضلاً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
إن غياب الأفق السياسي في مشروع القرار، وربطه المرحلة الانتقالية المحددة بعامين بـ “خارطة طريق” لا تؤدي في نهايتها إلى إنهاء الاحتلال وتطبيق “حلّ الدولتين”، يُفرغ المشروع من أي مضمون للسلام الحقيقي القائم على قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، الهادفة إلى إحلال السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، وإلى أن يُطرح مشروع القرار على مجلس الأمن للتصويت عليه، هناك مجموعة من الإجراءات الواجب اتباعها فلسطينياً لحماية حقّنا في الوجود ومستقبل قضيتنا:
- توحيد الموقف الفلسطيني وتحصينه، لقطع الطريق على محاولات استثمار التباينات والاجتهادات في هذه المرحلة التاريخية الحساسة التي تهدد مصير القضية الفلسطينية.
- إدارة حوار جاد ومنفتح مع الإدارة الأمريكية بهدف تعديل مشروع القرار بشكل إيجابي، بما يجعله قابلاً للاستجابة للحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ويضمن دعماً دولياً لنجاحه ومساهمة الدول في تمويل القوات الدولية وإعادة الإعمار.
- إدارة حوار بناء مع الدول المعترفة بدولة فلسطين، خصوصاً الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ليس بهدف تعطيل المشروع، بل لإجراء مقاربات تضمن تقاطع المصالح ودعم المطالب الفلسطينية على أساس حلّ الدولتين.
- مواصلة الحوار مع الدول المنتخبة في مجلس الأمن، وبمشاركة لجنة المتابعة العربية المشكلة من جامعة الدول العربية، لتوفير قوة إسناد ودعم للموقف الفلسطيني.
- تكثيف التواصل مع التكتلات الدولية المؤيدة للحق الفلسطيني، مثل مجموعة البريكس، ومنظمة التعاون الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، والاتحاد الإفريقي، ودول أمريكا اللاتينية.
نضال الشعب