ردّ حركة حماس يعزّز الموقف الرسمي


بقلم: د. أحمد مجدلاني
مضت عدّة أيام منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطّته لوقف الحرب في قطاع غزّة. ورغم الجدل المستمر حتى الآن حول بنود هذه الخطة، ومدى قدرتها فعلياً على إنهاء الحرب ومنع التهجير والضم في الضفة الغربية، وفتح أفقٍ سياسي لإحلال السلام في المنطقة على أساس حلّ الدولتين المتوافق عليه دولياً، وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فإنّ الأسئلة الجوهرية ما زالت قائمة.
ورغم ما يحيط بالخطة من تشكيك وجدال، فإنّ أي سلامٍ مفروضٍ لا يأخذ في الاعتبار حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، سيكون وصفةً للفشل والانتكاس، وسيدفع شعبَنا أثماناً إضافية من دمائه ومقدّراته ومستقبله السياسي.
وعلى الرغم من كل الشكوك والملاحظات التي أثارتها الخطة المعلنة في أجواء احتفالية جمعت الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، في غياب الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وصاحب الولاية السياسية والقانونية على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، وكذلك غياب الشركاء من الدول العربية والإسلامية الذين ناقشوا مع المبعوث الأمريكي للسلام ستيف ويتكوف عناصر الخطة المقترحة، وفق مقارباتٍ تراعي مصالح جميع الأطراف المعنية، وخصوصاً حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بعد وقف العدوان على قطاع غزّة وفتح مسارٍ سياسي استناداً إلى “إعلان نيويورك” الصادر عن المؤتمر الدولي للسلام، والذي بموجبه نالت دولة فلسطين عشرة اعترافات إضافية من دولٍ وازنة في القارات الخمس، فإنّ حصيلة الجهد العربي والإسلامي في فرض تلك المقاربات على خطة ترامب تمّ تهميشها، لتُكرّس الشراكة الأمريكية – الإسرائيلية وفق مقاربةٍ تربط وقف الحرب وما بعده في غزّة بمسارٍ سياسي أبعد، يجعل من إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة مشروطةً برضى الطرفين عن “الإصلاحات” التي ستجريها السلطة الوطنية الفلسطينية، لا لتأهيلها فقط للعودة إلى حكم القطاع، بل أيضاً لربط الحلّ السياسي الشامل والدائم بهذه الإصلاحات من دون جدولٍ زمنيّ محدّد أو سقفٍ واضح.
إنّ الردّ الفلسطيني، المنسّق مع الأشقاء في الدول العربية والإسلامية، ورغم إدراكه لمخاطر وغموض معظم عناصر الخطة المقترحة، أكّد أولويّة وقف الحرب وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزّة ووقف التهجير ومنع الضمّ في الضفة الغربية، باعتبارها أولوياتٍ تتقدّم على سواها من بنود الخطة، التي عجزت كلّ المفاوضات السابقة عن تحقيقها، كما شدّد الردّ على الحرص على الشراكة مع الولايات المتحدة ودول المنطقة وجميع الشركاء الدوليين لتحقيق السلام على أساس حلّ الدولتين، ووفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وهذا يستدعي مواصلة العمل مع الأشقاء لاستجلاء آليات تنفيذ العناصر المتناقضة والملتبسة في الخطة، والتي قد تواجه عقباتٍ جدّية من جانب نتنياهو وفريقه، الذين لم يقبلوا بالخطة أصلاً، رغم ما تضمنته من ألغامٍ وضعوها بأنفسهم.
لقد عبّر موقف حركة حماس من خطة الرئيس ترامب، بما اتّسم به من عقلانيةٍ وواقعيةٍ سياسية، بصرف النظر عن لغة الإنذار والتهديد، عن مسؤوليةٍ وطنيةٍ عالية، وتوافقٍ مع العديد من التحفّظات المشروعة التي لا تختلف في جوهرها عن الموقف الرسمي الفلسطيني.
وليس أمام قيادة حركة حماس، وهي تواجه نتائج سياساتها السابقة، سوى أن تُرفق إعلانها الموافقةَ المبدئية على مبادرة الرئيس ترامب بتحفّظاتها، بإعلانٍ واضح وصريح عن إنهاء الانقسام وتسليم المسؤولية كاملةً للسلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها وقيادتها، حفاظاً على وحدة الأرض الفلسطينية في قطاع غزّة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. أمّا دور حركة حماس اللاحق في النظام السياسي الفلسطيني فهو شأنٌ داخليّ يُحسم وفق محدّداتٍ وطنيةٍ تنطلق أولاً من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والتزاماتها القانونية والدولية، وبالشرعية الدولية والقانون الدولي كأساسٍ تلتزم به دولة فلسطين، إضافة إلى هدف النضال الوطني الفلسطيني في تجسيد الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967، والمقاومة الشعبية طريقاً لتحقيق أهدافنا في هذه المرحلة النضالية وفق الظروف الملموسة.
تلك هي الحماية والضمانة التي تكفل، ليس لحركة حماس وحدها، بل ولجميع القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية، وحدة الهدف في سبيل تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
إنّ الموقف الواقعي الذي عبّرت عنه حركة حماس، والمضاف إلى الموقف الرسمي الفلسطيني، نقل المعركة السياسية إلى مربّع نتنياهو، الذي كان يراهن على رفض حماس لخطة ترامب المليئة بالألغام لتصعيب الموقف الفلسطيني العام. لكنه يواجه اليوم ما كان يخشاه: عجزه عن ضبط حلفائه من قوى التطرّف والفاشية الجديدة، الذين يفضّلهم على سواهم وبنى معهم تحالفاً يقوم على إعادة احتلال قطاع غزّة وضمّ الضفة الغربية.
وقد سعت إدارة ترامب الأسبوع الماضي إلى احتواء أزمة نتنياهو الداخلية عبر توفير شبكة أمان تضمن استمرار حكومته وتطبيق الاتفاق مع زعيم المعارضة لابيد، تمهيداً لانتخاباتٍ مبكرة، وهنا يبرز السؤال: هل سيتمكّن نتنياهو من ترويض حلفائه والاستمرار في الحكم حتى نهاية ولايته، أم أنّ رفض شركائه للخطة سيدفعه إلى قبول شبكة الأمان والذهاب نحو انتخابات مبكرة تنهي مستقبله السياسي؟
ندرك أنّنا أمام مرحلةٍ كفاحيةٍ جديدة ما بعد الثاني والعشرين من أيلول الماضي، عنوانها تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، في ظلّ موجة الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين، والتي ستتواصل رغم محاولات إدارة ترامب الاعتراضية الرامية لإجهاض حقّنا الطبيعي في دولتنا المستقلة.
مسؤوليتنا جميعاً اليوم هي توحيد الموقف والرؤية والهدف، والالتفاف حول ممثلنا الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز شرعيتها بالتجديد الديمقراطي عبر الانتخابات الرئاسية والتشريعية لدولة فلسطين، وإقرار الدستور المؤقت تمهيداً للانتقال من مرحلة السلطة إلى الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية على ترابنا الوطني الفلسطيني.
نضال الشعب