روبيو.. الوجه العاري للدبلوماسية الأميركية


بقلم: محمد علوش
لم تكن تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في إسرائيل عابرة أو مجرد مشهد بروتوكولي؛ بل هي تكثيف صريح لموقف استراتيجي يعلن الانحياز الكامل للمشروع الإسرائيلي في قطاع غزة، ففي لحظة فاصلة من تاريخ المواجهة، قدم روبيو معادلة لا تقبل الالتباس، فإما قبول الشعب الفلسطيني شروط نتنياهو الخمسة، بكل ما تنطوي عليه من إذلال واستسلام، أو مواجهة «حرب مستدامة» بلا سقف تقود، وفق حسابات قادة إسرائيل المتطرفة، إلى ما يطلقون عليه «الظفر المؤزر» – وهي تسمية تخفي وراءها خطة إبادة وتمييز وتهجير منظّمين.
بهذه اللغة السياسية الباردة سقط آخر قناع على أي حديث أميركي عن حياد أو رغبة حقيقية في وقف نزيف الدم، فلم يكتف روبيو بالدعم الخطابي؛ بل شارك عملياً فيما يعرف بـ«مجلس الحرب» الإسرائيلي، وبارك علناً مراحل تصعيد ستستهدف مئات الألوف من المدنيين في غزة، فالاستهداف اليوم لا يختص بمواقع عسكرية فحسب، بل يصيب بنية الحياة: الغذاء والماء والدواء والمأوى – ومعظم الضحايا من النساء والأطفال، ما يجعل من الخطاب الأميركي عن «الديمقراطية وحقوق الإنسان» سخرية متأججة أمام قرار قد يؤدي إلى محو مدينة بأكملها.
خطورة هذا الموقف لا تقتصر على المضمون فحسب، بل تمتد إلى التوقيت؛ ففي اللحظة التي اجتمع فيها الزعماء العرب في الدوحة مطالبين بوقف النار وفتح مسار تفاوضي، كانت واشنطن تجلس في الاتجاه الآخر، تمنح شرعية سياسية لدوائر في إسرائيل اختارت طريق الحرب الشاملة، وهذا التوازي يكشف الهوة بين الخطاب العربي الرسمي الساعي للحدّ من الكارثة، والوقائع التي تصنعها السياسات الأميركية – الإسرائيلية على الأرض.
لا ينبغي أن يفهم كلام روبيو بمعزل عن إرث طويل من التواطؤ الأميركي التاريخي، لكنه يمثل تحوّلاً نوعيّاً في وضوح الانحياز، فالولايات المتحدة، التي امتلكت دور الوسيط الزائف لعقود، لم تعد وسيطاً؛ بل أصبحت شريكاً مباشراً في صناعة القرار الحربي، تقدم السلاح، المعلومات، والغطاء السياسي الذي يشرعن المجازر ويطيل أمدها، وهذه الشراكة تجعل من أي رصيد أخلاقي دولي رماداً، وتحوّل معاناة السكان المدنيين إلى «تكاليف استراتيجية» مقبولة في حسابات هيمنة إقليمية.
ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد صراع عسكري؛ إنه امتحان أخلاقي للعالم، واختبار لقدرة المؤسسات الدولية على حماية المدنيين، فالدم الفلسطيني يبترّ تحت مظلة شرعية مشوهة، والولايات المتحدة تكشف عن وجهها العاري كقوة إمبريالية جديدة ترى في المعاناة الإنسانية مجرد تفصيل في إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية لصالح مشروع استعمار متجدّد، أما إسرائيل، فتمضي في مشروعها التوسعي مستندة إلى هذا الغطاء، واثقة أن الزمن يعمل لصالحها ما لم يمارس ضغط دولي حقيقي وفعال.
أمام هذا المشهد، لا يكفي التنديد أو تسجيل المواقف الشكلية، والمطلوب وعي عربي شعبي وسياسي جامع يحول بيانات القمم إلى فعل ضاغط وموحد، والمطلوب أيضاً استراتيجيّات دبلوماسية متقدمة تنزع زمام المبادرة من ثالوث الهيمنة: واشنطن ـ تل أبيب ـ حلفاؤهما، وتعيد لصوت العرب مكانته في المحافل الدولية، وترك المجال خالياً للسياسة الأميركية الإسرائيلية يعني إدامة الإبادة وكتابة غزة كجرح مفتوح في ذاكرة الإنسانية.
فضح روبيو بكلماته لا يجب أن يقتصر على الاستنكار؛ بل هو دعوة لتحويل ذلك الفضح إلى برنامج عمل سياسي ودبلوماسي وقانوني يفضح النفاق الأميركي ويحاسب المسؤولين عن الجرائم، وإن الاعتراف الصريح بطبيعة المرحلة – حرب تستهدف اقتلاع الوجود الفلسطيني – يجب أن يحوّل الصدمة إلى تصميم، تصميمٍ على مواجهة الهيمنة، واستنهاض للمجتمع الدولي، وإعادة بناء جبهة تضامن حقيقية تعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة وكيان وكرامة.
التاريخ لا يرحم المتواطئين ولا الصامتين، والمسألة اليوم ليست مجرد دفاع عن حق سياسي أو حدود جغرافية، بل هي معركة وجود وأخلاق، وعلى هذا الأساس، يجب أن يكون الرد الفلسطيني والعربي والدولي بالمستوى نفسه من الحزم، لأن الصمت أو التأجيل يعني أن الجريمة ستكمل عريها، وأن فلسطين ستبقى، مرة أخرى، ضحية لسياسات تجعل من الإنسانية هامشاً في حسابات القوة.