أقلام وآراء

تداعيات العدوان على دولة قطر

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

الهجوم المبيت الذي شنّه الطيران الحربي الإسرائيلي مستهدفاً حيّاً سكنياً في العاصمة القطرية الدوحة، حيث يقيم قادة حركة حماس بشكل علني ومعروف، تمّ بتوافق مع الإدارة الأمريكية وبعلم الحكومة الإسرائيلية، فقد استضافت قطر وفوداً أمنية إسرائيلية لإدارة المفاوضات مع قيادة حماس على مدى أكثر من عامين، بل ومنذ سنوات طويلة حين قررت الدوحة رعاية الحركة وتمويلها برعاية وتشجيع من الإدارة الأمريكية، وبموافقة كاملة من نتنياهو وحكومته التي برّرت هذا التعاون الثلاثي باعتباره وسيلة لـ “شراء الهدوء” وتعميق الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني، بما يقطع الطريق على حلّ الدولتين المتوافق عليه دولياً على أساس قرارات الشرعية الدولية.

العدوان الإسرائيلي على دولة قطر واستهداف قيادة حماس فوق أراضيها، لا يعبّر فقط عن فائض القوة لدى إسرائيل، بل يكشف منطقها القائم على أنّ ما لا يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه باستخدام المزيد من القوة، فالضربة لم تكن رداً على عملية القدس كما ادّعى نتنياهو، إذ إنّ تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي زامير قبل ثلاثة أيام من تنفيذها كانت واضحة في التهديد بتصفية قادة حماس في الخارج، لكن القرار السياسي الذي وجّه آلة الحرب الإسرائيلية كان يدرك تماماً أنّ التنفيذ لا يمكن أن يتم من دون ضوء أخضر أمريكي، نظراً للعلاقة الاستراتيجية التي تربط قطر بالولايات المتحدة، والتي تستضيف على أراضيها أهم قاعدتين عسكريتين في المنطقة، العديد والسيلية، بتغطية كاملة من الحكومة القطرية.

ورغم محاولات التبرير من ترامب شخصياً ومن طاقمه، والتي هدفت إلى تصوير الضربة كقرار إسرائيلي أحادي الجانب، فإنّ هذه الادعاءات لم تقنع أحداً، بل إنّها عززت الانطباع بأنّ ترامب كان شريكاً في اتخاذ القرار، وأنّه كان ينتظر نتائجه ليعلنها “انتصاراً” يسجّل له على طريق إنهاء الحرب في غزة، كما يتوهّم.

لقد أدنّا هذه العملية العدوانية بشدة ووقفنا إلى جانب حكومة وشعب قطر، وقد أثارت العملية ردود فعل عربية ودولية غاضبة، فدعت إلى عقد قمة عربية وإسلامية في الدوحة، باعتبار أنّ ما جرى انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة تلعب دور الوسيط النشط والمؤثر للتوصل إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على غزة، ومن بين التداعيات الأبرز لهذه الجريمة:

  • انعدام الثقة بالولايات المتحدة كضامن لأمن الخليج، وهو ما يستدعي إعادة النظر في منظومة الأمن الإقليمي، وعدم الارتهان المطلق للحماية الأمريكية، بل البحث عن شراكات مع قوى كبرى أخرى لتحقيق التوازن ومنع التبعية الأمنية والسياسية.
  • ضربة لفرص ما يسمى بالسلام الإبراهيمي، الذي شكّل استراتيجية ترامب منذ ولايته الأولى، وكان يعوّل على وقف الحرب في غزة لفتح الطريق أمام التطبيع مع السعودية، فجاء العدوان ليحبط آماله في إبرام الاتفاقيات خلال ولايته الثانية والأخيرة.
  • تأكيد أن نتنياهو غير معني بالسلام، وأنّ تطبيع العلاقات مع السعودية، إن حدث، فيجب أن يكون بلا مقابل، وهذا ينسجم مع أجندة حكومته الحالية التي ترى في استمرار الحرب الضمانة لاستمرار تحالفها المتطرف.
  • محاولة للتغطية على التفاهم الثلاثي القطري – الأمريكي – الإسرائيلي، الذي أمدّ حماس بالأموال وشريان الحياة للانقسام طيلة خمسة عشر عاماً، وكان نتنياهو يسوّقه باعتباره “نعمة”.

والسؤال الجوهري أمام قطر: هل ستواصل رعاية حركة حماس ودعمها واستضافتها.. وهل ستبقى وسيطاً نشطاً بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة.. أم ستعيد تقييم موقفها بما يقتضي تصويب علاقاتها مع القيادة الشرعية الفلسطينية.. ثم هل ستبقى معتمدة كلياً على الحماية الأمريكية، رغم أنّ هذه الأخيرة أغلقت أعين دفاعاتها الجوية أمام العدوان الإسرائيلي على أراضيها؟

وأخيراً، تفرض التطورات ضرورة مراجعة جدّية داخل مجلس التعاون الخليجي، وقراءة موضوعية للتحولات الدولية التي تشير بوضوح إلى الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب، تجلّت مؤشراته في قمم البريكس بالبرازيل، ومنظمة شنغهاي، ويوم النصر في بكين، فالحماية الأمريكية لم تكن يوماً ضمانة، وقد سبق أن تعرّضت السعودية وقطر لهجمات إيرانية وحوثية رغم هذا الغطاء.

إنّ الخيار الواقعي يتمثّل أولاً في تطوير قوات “درع الخليج” وتعزيز استقلالية قرارها عن القوات الأمريكية، وثانياً في توقيع اتفاقيات تعاون أمني مع قوى كبرى منافسة للولايات المتحدة، وفي مقدمتها الصين الشعبية وروسيا الاتحادية.

 

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى