تقاير وتحقيقات

 شباب فلسطين: تراجع عددي وواقع مروع وغد قائم في ظل تحديات غير مسبوقة فرضها الاحتلال

 

شباب النضال دعوة لتجديد العقد الاجتماعي مع الشباب وتعزيز دورهم وتقديمهم في السياسات والخطط

تقرير – حسني شيلو – يعيش الشباب الفلسطيني ممن يفترض انخراطهم في القوى العاملة او على مقاعد الدراسة، غداة يومهم العالمي، واقعًا محفوفًا بتحديات شديدة الخطورة، فرضها الاحتلال الإسرائيلي بممارساته القمعية المستمرة في لأراضي الفلسطينية، وتداعياتها على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية المتدهورة، والتي يتوقع خبراء ان تترك أثرًا بالغًا على حاضرهم ومستقبلهم.

ويحتفل الشباب الفلسطيني بيومهم العالمي الذي صادف الثلاثاء، 12 آب الجاري، هذا العام مجددا في ظل حرب إبادة متواصلة شارفت على دخول عامها الثالث في قطاع غزة، وعدوان شامل على الضفة حصدت أرواح أكثر من 60 ألف شهيد والاف المفقودين ربعهم من الشباب ونحو 18 ألف معقل اغلبهم من هذه الفئة العمرية.

ويقدر عدد الشباب الفلسطينيين ضمن الفئة العمرية (18–29 سنة) بنحو 1.2 مليون شاب وشابة؛ أي 21% من إجمالي سكان فلسطين حتى منتصف العام 2025 الجاري، فيما كشف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، عن انخفاض عددهم 10% عن التقديرات السكانية لهذا العام، نتيجة استهداف الاحتلال المباشر والمنهج، وما خلفه من أضرار طويلة الأمد على المستويات الاقتصادية والديموغرافية والاجتماعية والنفسية.

عالميا، يكتسي يوم الشباب الدولي هذا العام أهمية استثنائية، إذ يتزامن مع اقتراب الذكرى الثلاثين لبرنامج العمل العالمي للشباب، الذي لا يزال يُمثّل إطارًا توجيهيًا محوريًا للاعتراف بدور الشباب بوصفهم فاعلين رئيسين في التنمية المستدامة والحوكمة التشاركية – وهما مبدآن يتجسدان بوضوح في موضوع هذا العام.

واقيم الاحتفال العالمي بيوم الشباب في نيروبي، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية بمشاركة قادة شبان، ومسؤولين، وواضعي سياسات، وممثلين عن الأمم المتحدة، وممارسين في ميدان التنمية، لتبادل الرؤى وعرض حلول لتعزيز مشاركة الشباب في التنمية المحلية، وتركيز اهتمام المجتمع الدولي بقضايا الشباب والاحتفاء بإمكانياتهم بوصفهم شركاء في المجتمع العالمي المعاصر.

وينتظر ان تُسهم المناقشات في التحضير لانعقاد الدورة الثانية للقمة العالمية للتنمية الاجتماعية، المزمع عقدها في الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وفي تنفيذ تدابير فعلية تُفضي إلى اعتماد سياسات وبرامج جامعة تستثمر العمل الشبابي المحلي من أجل بلوغ أهداف التنمية المستدامة، فيما الشباب الفلسطيني يصارع لأجل البقاء والصمود ويكابد خطر الموت جوعا ومرضا.

وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 54/120 للعام 1999 12 آب/أغسطس يوماً عالمياً للشباب، نظراً لكونهم شركاء أساسيين في التغيير، ولرفع مستوى الوعي وتسليط الضوء على التحديات والمشكلات التي تواجه الشباب في العالم. وأوصت بتنظيم أنشطة إعلامية للجمهور لدعم هذه المناسبة ولإذكاء الوعي ببرنامج العمل العالمي للشباب

وأحيا العالم المناسبة هذا العام تحت شعار “إشراك الشباب في توطين أهداف التنمية المستدامة”، تأكيداً على دور الشباب الحيوي في تحقيق مستقبل مزدهر، ومستدام، وعادل.  وتمكين الشباب وتوسيع مشاركتهم، فيما يُواجه الشباب الفلسطيني، وبخاصة في قطاع غزة، واحدة من أعنف وأطول الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.

وأوضح الإحصاء الفلسطيني بهذه المناسبة، ان الشباب في الفئة العمرية (18–29 سنة) يشكل أكثر من خُمس المجتمع الفلسطيني، ما يجعلهم ركيزة أساسية لأي تنمية مستقبلية أو استجابة وطنية للأزمات. ورغم الثقل العددي والديموغرافي، فإنهم الأكثر تضرراً في سياق العدوان الإسرائيلي، عبر الاستهداف المباشر أو تداعيات العدوان على فرصهم في التعليم، والعمل، والتنمية.

ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر للعام 2023، تمارس قوات الاحتلال حرب إبادة في قطاع غزة، ومجازر ودمار للمباني والمنشآت والبنية التحتية، في ظل انعدام الخدمات الصحية والغذائية الأساسية، راح ضحيتها، حتى اليوم، أكثر من 61 ألف شهيد، كما نزح نحو مليونَيْ فلسطيني من بيوتهم غير أن الأضرار الطويلة الأمد لهذا العدوان، ستخلف آثاراً اقتصادية وديموغرافية واجتماعية ونفسية سلبية وعميقة، ستطال معظم الفئات وسط توقعات بان تستمر لفترات زمنية طويلة بعد انتهاء العدوان.

وشهد قطاع غزة تراجعاً في عدد السكان، نتيجة ارتفاع أعداد الشهداء والمفقودين، ومغادرة الآلاف وانخفاض حاد في معدلات المواليد فقد انخفض عدد سكان القطاع إلى 2,114,301 نسمة منتصف العام 2025 اي 10% مقارنة بالتقديرات المعدة سابقاً قبل العدوان، وتظهر البيانات الحديثة، أيضاً، انخفاضاً في عدد الشباب 10%، ما ينذر بتحولات ديموغرافية خطيرة في بنية المجتمع الفلسطيني.

وتجسد الأرقام الصادمة حجم الكارثة الإنسانية، وبخاصة بين الفئات الشابة، فمنذ بدء العدوان، استشهد 2.7% من إجمالي سكان القطاع 24% منهم من الشباب (26% من الذكور، و22% من الإناث).

كما غادر القطاع نحو 100 ألف فلسطيني منذ بداية العدوان الغاشم المتواصل فيما يعيش فيه 2.1 مليون إنسان تحت وطأة مجاعة كارثية، تُعد الأسوأ في تاريخ المنطقة رفعت اعداد الموتى جوعا في ظل انعدام الغذاء والمياه وانهيار القطاع الصحي كما ارتفع عدد الجرحى إلى أكثر من 150 ألف جريح، 70% منهم من النساء والأطفال، إضافة إلى حوالي 11 ألف مفقود.

وفي الضفة استشهد منذ 7 أكتوبر 2023، 1,030 مواطناً، 75% منهم دون سن 30 عاماً، ما يؤكد أن الشباب الفلسطيني يُستهدف في الجغرافيا الفلسطينية كافة، ضمن سياسات تدمير ممنهجة للبنية السكانية المستقبلية.

وبحسب تقديرات الإحصاء، أدى العدوان الإسرائيلي إلى تحولات ديموغرافية خطيرة في قطاع غزة، أبرزها التأثير المباشر على التركيب العمري للسكان، وبخاصة الفئات الشابة، بفعل الانخفاض الكبير في معدلات الإنجاب والولادات.

ويتوقع أن يتشوه شكل الهرم السكاني في القطاع نتيجة الاستهداف الممنهج للأطفال والشباب، ما سيؤثر على قاعدته العمرية لسنوات قادمة، بفعل تناقص عدد المواليد المرتقبين.

منذ بدء العدوان وحتى 8 تموز/يوليو 2025، استشهد أكثر من 17 ألف طالب وطالبة من المدارس والجامعات، في واحدة من أكبر الكوارث التعليمية في التاريخ الفلسطيني الحديث.

وبلغ عدد الشهداء من طلبة المدارس في فلسطين 16,124، منهم 105 في الضفة و24,614 جريحاً وجريحة، بواقع 23,913 في القطاع، و701 في الضفة، وفي مؤسسات التعليم العالي، استشهد 1,191 طالباً وطالبة، من بينهم 35 في الضفة وجرح 2,577 طالباً وطالبة، 226 في الضفة وجرى اعتقال 367 طالباً من المدارس، و401 طالباً وطالبة من الجامعات، جميعهم من الضفة الغربية، ما يعكس حجم القمع الذي يطال الطلبة في مختلف المراحل التعليمية.

وتؤكد الأرقام أن المنظومة التعليمية الفلسطينية باتت في قلب الاستهداف العسكري الإسرائيلي، في محاولة لتدمير مستقبل الأجيال القادمة، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، فيما حرم 88 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة من حقهم في التعليم الجامعي وحوالي 39 ألف من تقديم امتحان شهادة الثانوية العامة في قطاع غزة لعامين متتاليين.

وعلى الرغم من أن التعليم يُعدّ الاستثمار الأهم للفلسطينيين على المستويين الفردي والمجتمعي، فإن العائد يواجه تحديات صارخة، أبرزها تفشي البطالة بين فئة الشباب. اذ تشير بيانات العام 2024 إلى أن من بين كل 100 شاب/شابة في الفئة العمرية 18–29 سنة في الضفة، 19 حاصلون على شهادة بكالوريوس أو أعلى، وأن الشابات أكثر تحصيلاً علمياً؛ إذ إن 25 شابة من كل 100 يحملن شهادة بكالوريوس فأعلى، مقابل 14 شاباً فقط من الذكور.

وتُشكل البطالة العائق أمام الشباب. فقد بلغت معدلاتها في الضفة خلال العام 2024 نحو 49% بين الإناث، و38% بين الذكور فيما الازمة في قطاع غزة أكثر حدة؛ فوفقاً لمسح القوى العاملة للربع الرابع من العام 2024، بلغ معدل البطالة نحو 69%، فيما سجل الشباب من عمر 15 إلى 29 عاماً معدلات بطالة كارثية وصلت إلى 80%، في ظل الحصار والعدوان المتواصل وتدمير البنية الاقتصادية للقطاع.

ويصف المدير التنفيذي لمنتدى شارك الشبابي، د.  بدر زماعرة، في تصريح صحفي، واقع الشباب في فلسطين بـ”المروع وغير مسبوق”، في ظل استمرار الإبادة في غزة والتصعيد في الضفة، مشيرًا إلى أن نحو مليون و200 ألف شاب وشابة “تحت المطرقة” ويتعرضون بشكل ممنهج لاستهداف إسرائيلي. أفرز تناقصًا كبيرًا في أعداد الشباب، وسط استمرار القتل والتهجير والتجويع، ما يهدد الركيزة البشرية للمستقبل من حيث القدرة على التخطيط والإنجاب والمشاركة في التعليم والعمل.

وحذّر زماعرة من التداعيات المركبة لسياسات الاحتلال، التي تشمل القتل، وتدمير مكونات الحياة، وتهيئة بيئة قاتمة لما بعد الحرب. فالشباب الفئة الأكثر عرضة للمواجهة المباشرة مع الاحتلال، سواء عبر التصدي لاعتداءات المستوطنين، أو مواجهة عمليات الترحيل للتجمعات البدوية، أو الاعتقال والتنكيل وحتى الملاحقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يخلّف آثارًا نفسية مدمرة من فقدان الأمل ونظرة سوداوية تجاه المستقبل.

واستدرك.. “طالما بقي الاحتلال، فلن نرى بصيص أمل”، وخيار الشباب الوحيد هو الصمود والبقاء، مطالبا بالاستثمار في الشباب بعد وقف الحرب، وإشراكهم في إعادة إعمار غزة

وقال مركز “شمس” أن اليوم العالمي للشباب يأتي هذا العام في ظل واقع فلسطيني بالغ التعقيد، حيث الشباب بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي المستمر بممارساته القمعية وانتهاكاته الممنهجة، وسندان الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية.

وتابع.. فيما يحتفل العالم بالشباب ويعترف بدورهم كمحرك أساسي للتغيير والتنمية المستدامة، يجد الشباب الفلسطيني نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، ويقف في مواجهة منظومة قمعية ممنهجة ينفذها الاحتلال تستهدف وجودهم وحقوقهم وحريتهم، في انتهاك فجّ لكل المواثيق الدولية، وتحد صارخ للمعايير التي يدعي العالم الاحتفاء بها. إضافة الى ممارسات تضرب في عمق مستقبلهم، عبر تدمير المدارس والجامعات وحرمان آلاف الطلبة من استكمال تعليمهم، ومصادرة الموارد الاقتصادية والفرص التنموية، وعرقلة المشاريع الشبابية والمبادرات المجتمعية، وإغلاق المؤسسات التي تعمل على تمكينهم، في محاولة لإخماد أي نشاط جماعي أو حراك مدني يقوده الشباب. وهي انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا تستهدف فقط الأفراد بل تسعى لتدمير إمكانات جيل كامل وإبقائه في دائرة العجز والتبعية.

ورأى المركز، أن قضية الشباب الفلسطيني ليست مجرد قضية تنموية أو فئوية، بل سياسية وحقوقية بامتياز، تتطلب معالجة جذرية للأسباب البنيوية التي تعيق مشاركتهم الفاعلة في جميع مجالات الحياة. فالشباب يمثلون النسبة الأكبر من المجتمع الفلسطيني، وهم القوة القادرة على دفع عجلة الإصلاح السياسي والاجتماعي، مؤكدا أن استمرار الانقسام وتعطيل للعملية الديمقراطية وغياب الانتخابات، حرم جيلين كاملين من الشباب من حقهم في اختيار ممثليهم.

وحذر مركز “شمس” من أن استمرار هذه الأوضاع يهدد بفقدان الثقة بين الشباب ومؤسساتهم الوطنية، ويعزز مشاعر الإحباط والعزوف عن المشاركة العامة داعيا إلى تعزيز التربية على قيم الديمقراطية والمواطنة والمساءلة منذ المراحل التعليمية الأولى، وتوفير مساحات آمنة للشباب للتعبير عن آرائهم وممارسة نشاطهم بحرية، ودعم المبادرات الشبابية المستقلة، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو اجتماعية.

ورأى أن البطالة تشكل أحد أخطر التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد استقرار المجتمع وتماسكه، فهي لا تعني فقط غياب فرصة العمل، بل إهدار الطاقات الخلاقة، وتعطيل الإبداع، وكبح الحلم الفردي والجماعي بالتطور والازدهار، وتحرم شريحة واسعة من الشباب من حقهم في العمل اللائق والحياة الكريمة.

وأوصى “شمس” بتبني سياسات تحمي الحيز المدني وتعزز الحريات العامة، ودمج قضايا الشباب ضمن السياسات الوطنية والخطط القطاعية مع تخصيص موازنات كافية لتنفيذ برامج تمكينهم، وتفعيل آليات الحوار المنتظم بينهم وبين مؤسسات الدولة، وضمان تمثيلهم في اللجان الوطنية وهيئات التخطيط وصنع القرار. وبناء تحالفات وشبكات شبابية مستقلة وفاعلة قادرة على التأثير في السياسات العامة.

بدوره، دعا اتحاد شباب النضال الذراع الشبابي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني لتعزيز دور الشباب في مؤسسات المجتمع ومنحهم أولوية في رسم السياسات والعمل على دمجهم في المجتمع. مؤكدا أن الرأسمال الوطني يكمن في تفجير طاقات الشباب وإشراكهم في عملية التنمية وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية.

وقال الاتحاد، إن الشباب يمثلوا النسبة الأكبر من بين قطاعات المجتمع، وان الاحتلال وحرب الإبادة الجماعية والتجويع يستهدف الشباب الفلسطيني. محذرا من الهجرة في صفوفهم نتيجة الأوضاع القائمة.

وتابع..  ما يزيد من عبء المسؤولية الوطنية على الفصائل ومؤسسات مجتمع لتوفير فرص عمل للطلبة الخريجين، وتوفير أجواء ملائمة في الوطن لعدم خسارتهم بالهجرة.

وطالب بخطة وطنية شاملة لتوجيه التخصصات بناءً على احتياجات سوق العمل، مشيراً أن ارتفاع نسبة البطالة من بين حاملي الشهادات الجامعية يعود إلى عدم ملائمة التخصصات الجامعية ومتطلبات سوق العمل الفلسطيني.

ورأى الاتحاد إن المخرج من البطالة يتطلب إعادة النظر في مناهج التعليم وتعزيز ثقافة التعليم والتدريب المهني الذي يساهم في تخفيض النسب المرتفعة بين أوساط الشباب الذين يجب أن يكونوا شركاء في صنع ورسم السياسات العامة في المجتمع داعيا الحكومة الفلسطينية الى توفير الامكانيات للشباب، ودعمهم عبر المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع البحث العلمي. وجها التحية الى الشباب الفلسطيني بناة المستقبل مؤكدا انه بهمة وعطاء وعقل الشباب ستتواصل المسيرة والنضال لأجل دولة فلسطين حرة مستقلة.

زر الذهاب إلى الأعلى