أقلام وآراء

قمة بوتين – ترامب: نقطة تحوُّل في مشهد العلاقات الثنائية والعالمية

 

بقلم: خليل حمد

في أصول الديبلوماسية، لا شيء يجري بالصدفة، كل خطوة تحمل رسائلَ ودلالاتٍ لا تخفى على سياسيٍّ متمكِّن. بهذا المعنى فإن وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قاعدة أنكوريج في ألاسكا قبل 40 دقيقة من موعد القمة بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقول الكثير مصافحة ودِّية، استقلَّ بعدها الرئيسان سيارة واحدةً. لا مترجمَ معهما، لكن بوتين يتحدَّث الإنكليزية بطلاقة وأمامهما عشر دقائق ليصلا مقرَّ الاجتماع. صعود الرئيس الروسي في سيارة ترامب يمثِّل رسالة ردٍّ من موسكو: الانفتاح على إنجاح المحادثات متبادل.

الانتقال من الاجتماع الثنائي إلى صيغة (ثلاثة – ثلاثة) كان هدفه تحقيق أكبر كم من الاتفاقات في أقصر وقت. من الجانب الأمريكي حضر وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، بينما جلس إلى جانب بوتين وزير خارجيته سيرغي لافروف ومستشار الرئيس يوري أوشاكوف. ثلاث ساعات من النقاشات خرج بعدها الرئيسان لمؤتمر صحفي مشترك.

قبيل المؤتمر اتصل ترامب بالرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين ليُطلعهم على نتائج الاجتماع، أو ربَّما ليخبرهم بما عليهم فعله في المرحلة المقبلة بخصوص وقف إطلاق النار في أوكرانيا. فترامب صرَّح من على متن طائرته التي أقلته إلى ألاسكا أنه يريد “وقف إطلاق النار” وأن كلأً من أوروبا وزيلنسكي سيكون لهم دور في المرحلة المقبلة.

لا يعني هذا أن بروكسيل أو كييف كانتا مرتاحتَين للاجتماع ونتائجه. تريد أوروبا إنهاء الحرب في أوكرانيا، بـ”كسر شوكة روسيا”، وهو ما بدا بعيد المنال، خصوصاً وأن تلويحات ترامب بـ “حزمة عقوبات جديدة إذا فشل الاجتماع” بدَّدتها تصريحات صحفية هامشية لترامب بأن الاجتماع القادم سيضم زيلنسكي أيضاً وبالتالي فإن الاجتماع لم يفشل. وإذا كان من المبكر الحديث عن الاختراقات التي حدثت في الاجتماع، إلا أن فكرة الضمانات الأمنية لكييف التي قيل إن ترامب طرحها في مكالمة فيديو مع الأوروبيين الأسبوع الماضي تبدو إشارة من الرئيس الأمريكي أنه لا يريد أي عراقيل من الجانب المحسوب على معسكره.

بوتين بدأ المؤتمر الصحفي بمجاملات لطيفة في إشارة إلى أن ضابط الاستخبارات السابق خرج مرتاحاً من الاجتماع، وأن مستوى العلاقة بين موسكو وواشنطن يتأثر بالعلاقة الشخصية مع ساكن البيت الأبيض. قالها بوضوح: “نحن حريصون على حل المسألة الأوكرانية” والحل يجب أن يكون “طويل الأمد”، “أتفق مع ترامب على ضرورة ضمان أمن أوكرانيا لكن مع تلبية مطالبنا”، كاشفاً أنه شرح لنظيره الرؤية الروسية بشأن الأزمة مع كييف.

تلميحات سيِّد الكرملين إلى أن “الشراكة الاستثمارية بين أمريكا وروسيا تحمل الكثير من الإمكانيات” بدَت بمثابة إشارة إلى أن ترامب وضع على طاولة الاجتماعات جملة من المكاسب التي يبدو مستعداً لتقديمها لتحقيق اختراقات، وهو ما أتى بثماره وفقاً لتصريحات الرئيس الأمريكي: “هناك نقاط لم نتمكن من تجاوزها لكننا حققنا بالفعل تقدما كبيراً”. تضمنت المحادثات وفق التسريبات قضايا عديدة، من استعادة الحركة الجوية بين البلدين حتى المعاهدات النووية. مروحة المواضيع هذه ربَّما جعلت بوتين يؤكد أن هذه المحادثات تؤسس لتطبيع العلاقات بين البلدين.

لا يرفع رئيسان مثل بوتين وترامب سقف تصريحاتهما الإيجابية بشكل اعتباطي، لا بدَّ أن القمة حققت اختراقاً مهماً في قضايا النقاش، وأبرزها الملف الأوكراني. يمهِّد هذا لإنهاء الحرب واستقرار جزء مهم من جغرافيا العالم. قد تكون أوروبا المتعنتة حالياً أكبر المستفيدين من الاتفاق المحتمل. لكنَّ القارة العجوز لا تزال تكابر في الاعتراف بأن شكل العالم وقواه تغيرت.

في منطقتنا، وتحديداً في فلسطين، من المُبشِّر متابعة الأخبار التي تقول إن حرباً مشتعلةً في العالم قد تنطفئ قريباً. لأن ذلك يجعل أمنيتنا بإخماد لهيب الحرب على بلدنا ومواطنينا أقرب إلى التحقُّق. قليل من الضغط الأمريكي على الاحتلال الإسرائيلي سيجدي نفعاً، وإذا كان ترامب ساعياً فعلاً إلى إخماد حروب العالم، فعليه اتخاذ قرار، ربماَ قدر فلسطين أن تكون آخر من يستفيد من اتفاقات القوى العظمى، لكن الأهم أن تكون من المستفيدين.

زر الذهاب إلى الأعلى