تقاير وتحقيقات

في اليوم العالمي لمكافحتها.. انخفاض عدد القضايا المضبوطة وتفاقم آفة المخدرات في فلسطين

 

 

خبراء: الاحتلال مسؤول عن انتشار المخدرات.. وكشك تعتبر دحرها معركة وطنية وأخلاقية

جوعى غزة يعثرون على مخدرات في دقيق المساعدات الامريكية الموزعة بحماية اسرائيلية

تقرير – نائل موسى – رغم التحديات الوجودية غير المسبوقة التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي بجريمة الإبادة الجماعية والتهجير القسري التي يقترفها جيشه في قطاع غزة والعدوان الشامل على الضفة وما فرضه من تبدل الأولويات لمواجهة التداعيات والاحتياجات الطارئة وتعزيز الصمود الوطني، الا انه منعة البيت الداخلي وحماية النسيج الاجتماعي وتحصينه من مخاطر افة المخدرات التي تتنامى في الأراضي الفلسطينية المحتلة تبقى ضمن على رأس الاهتمام الوطني.

ويحمل متابعون سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن انتشار ظاهرة المخدرات في الأراضي الفلسطينية وخصوصا في القدس المحتلة ومناطق خلف الجدار مباشرة بتشجيع الاتجار والتعاطي، أو بتقويض جهود شرطة مكافحة المخدرات والأجهزة المعنية وانشطتها للقضاء على الظاهرة والتوعية من اضرارها، وذلك في إطار حربه الشاملة على الشعب الفلسطيني وسعيه لضرب المجتمع والاجيال، ما يضاعف من أهمية مواجهتها.

وفي هذا الإطار، تعتبر عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، سكرتير دائرة النقابات المهنية والمؤسسات تغريد كشك، مكافحة آفة المخدرات، معركة وطنية وأخلاقية حيث الاحتلال الذي يستهدف الأرض والإنسان، لا يتورع عن دعم شبكات ترويج المخدرات وتسخيرها لضرب القيم الوطنية والانتماء، وخلق بيئة محبطة تقطع الطريق أمام روح المقاومة والتغيير.

وتعود الظاهرة الى الواجهة مع حلول اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، الذي يصادف ٢٦ حزيران، وهو التاريخ الذي قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاحتفال به يوما دوليا لمكافحة استخدام المخدرات والاتجار غير المشروع بها من أجل تعزيز العمل والتعاون لإقامة مجتمع دولي خال من استخدام المخدرات، وزيادة الوعي بالمشكلة الرئيسية التي تمثلها.

وتُمثل مشكلة المخدرات تحديًا متعدد الجوانب يُؤثر على حياة الملايين، وفي فلسطين التي يضاعف الاحتلال من اخطارها، يهدف الاحتفال الى تعزيز العمل والتعاون لتحقيق عالم خالٍ من تعاطي المخدرات، ورفع مستوى الوعي بتعاطي المخدرات والاتجار غير المشروع بها.

ويدعو شعار عام 2025، ” كسر الحلقة المفرغة. #أوقفوا الجريمة_المنظمّة “، إلى اتخاذ إجراءات وإصلاحات طويلة الأمد في مواجهة تحديا متعدد الأوجه يمس الحياة على مستوى الأفراد الذين يعانون من اضطرابات تعاطي المخدرات والمجتمعات التي تتصارع مع عواقب الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة، حيث تأثير المخدرات بعيد المدى ومعقد، ويتطلب اعتماد نهج قائم على الأدلة العلمية يعطي الأولوية للوقاية والعلاج.

وتعترف حملة اليوم الدولي للمخدرات لهذا العام، بأن السياسات الفعّالة يجب أن تبنى على العلم والبحث واحترام حقوق الإنسان والتعاطف والفهم العميق للآثار الاجتماعية الاقتصادية والصحية للتعاطي، مقرونة بدعوة لمضاعفة الجهود معا لمكافحة مشكلة المخدرات وفق مبادئ العلم والتعاطف والتضامن، من خلال العمل الجماعي والالتزام بالحلول المرتكزة على الأدلة.

والمخدرات هي كل مادة طبيعية او صناعية، يحدث تعاطيها تأثيرات مختلفة (مسكنة أو منومة او منبهة أو مهلوسة) بأي أشكال ونسب وطرق تعاط، من شأنها أن تعطل العقل جزئياً أو كلياً، وتناولها يؤدي إلى الإدمان؛ الذي يقود الى تأثيرات سيئة على بنية المتعاطي، وحالته النفسية ونشاطه الذهني وتسبب تسمم في الجهاز العصبي، فتضر الفرد والمجتمع، ويحظر تداولها أو زراعتها، أو صنعها إلا لأغراض يحددها القانون.

ويقصد بتعاطي المخدرات او المؤثرات العقلية، بأنها الاستخدام المتكرر للمخدرات غير المشروعة، أو إساءة استخدام الأدوية الموصوفة أو المتاحة دون وصفة طبية، مما يؤدي إلى عواقب ضارة قد تشمل مشاكل في الاسرة او المدرسة او الجامعة او العمل، او مع افراد المجتمع أو في العلاقات الشخصية، ومشاكل قانونية ومخاطر جسدية مرتبطة بالتعاطي.

ويعرف الإدمان على المخدرات والمؤثرات العقلية بأنه مرض دماغي مزمن متكرر يتميز بالبحث القهري عن المخدرات وتعاطيها، ويعتبر مرضًا دماغيًا لأن المخدرات والمؤثرات العقلية تغير في طبيعة الدماغ، وهو مركز التحكم والسيطرة في الجسم وقد تكون هذه التغيرات الدماغية قصيرة او طويلة الأمد، وقد تؤدي إلى السلوكيات والتصرفات الغريبة والمستهجنة.

وتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية سلوك إجرامي، له تأثير ضار على المتعاطي نفسه ويمكن أن يشكل خطرا على الآخرين، فالمخدرات تؤثر على عقل المتعاطي وتفقده السيطرة على سلوكه وتصرفاته وتجعله أكثر عدوانية وتحطم قيمه الدينية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية وتجعله غير واعي، فيقدم على ارتكاب أفعال غير أخلاقية دون إدراك أو وعي.

فلسطينيا، وبالرغم من الحالة التي يعيشها المجتمع من حرب وابادة جماعية في قطاع غزة وتشريد وقتل وتخريب المدن في الضفة الغربية بين عامي 2024-2025، الا ان آفة المخدرات انتشرت في الآونة الأخيرة لا سيما بين المراهقين والشباب، وزيد عليها اكتشاف أقراص مخدرة في مساعدات الدقيق التي تقدمها شركة امريكية تحت حماية جيش الاحتلال وسط مطالبات محلية وخارجية بتحقيق دولي  مستقل وعاجل.

ورغم تراجع عدد القضايا المخدرات المضبوطة مؤخرا مقارنه مع فترات سابقة، الا ان خبراء يجزمون ان التراجع العددي لا يعكس تقلص ظاهرة التعاطي او الاتجار وتوفير المواد المخدرة والقضايا المرتبطة بهما.

ويعرف سامي أبو سالم جرائم المخدرات بانها تلك الجرائم الجنائية المقصودة، وتشمل تعاطي وزراعة وإنتاج وصناعة واستخراج وإعداد وعرض للبيع وتوزيع وشراء وبيع وسمسرة وشحن ونقل وتوصيل واستيراد وتصدير المخدرات.

وجرائم المخدرات: هي جرائم جنائية تشمل تصنيع وتوزيع وتعاطي مواد غير مشروعة. ويصنفها أبو سالم إلى الجرائم المتعلقة بالمخدرات، مثل السرقة والحرق العمد والاعتداء على الأطفال والعنف وجرائم الشوارع والتزييف وغيرها من الجرائم التي يتم ارتكابها عندما يكون الشخص تحت تأثير المخدرات او المؤثرات العقلية، مثل: العدوانية، الاغتصاب والتحرش الجنسي، العنف الاسري، ضعف واختفاء القدرات العقلية وحوادث السير، الميول الانتحارية، ارتكاب جرائم للحصول على المواد المخدرة، والجنس مقابل المال.

اما الجرائم المرتبطة، فيقصد بها الجرائم التي يتم من خلالها انتهاك القوانين المتعلقة بالمخدرات. ويشير هذا النوع إلى الأفعال المتعمّدة التي قد تنطوي على انتاج أي مخدرات أو مؤثرات عقلية، أو صنعها، أو استخراجها، أو تحضيرها، أو عرضها، أو عرضها للبيع، أو توزيعها، أو بيعها، أو تسليمها بأي وجه كان، أو السمسرة فيها، أو ارسالها، أو ارسالها بطريق العبور، أو نقلها، أو استيرادها، أو تصديرها، اما الجرائم المرتبطة بالمخدرات، فمنها إعطاء الفتيات مخدرات دون علمهن من أجل استغلالهن جنسياً تحت تأثير المواد المخدرة، يُنفَّذ على شخص بعد أن أصبح عاجزًا بسبب تأثير أي مواد تؤثر على العقل.

وحسب احصائيات إدارة مكافحة المخدرات في الشرطة الفلسطينية، لشهر تشرين الثاني لعام 2024 سجلت 224 قضية، ما بين حيازة، تعاطي، زراعة، تجارة وترويج، وبلغ عدد المضبوطين 254، وكان من أبرز المضبوطات قنب هندي، قنب مصنع، حشيش، حبوب مخدرة، عبوات من غاز الضحك.

كما وتظهر احصائيات إدارة المكافحة، لشهر كانون الثاني لعام 2025 تسجيل 166 قضية، ما بين حيازة، تعاطي، زراعة، تجارة وترويج، وبلغ عدد المضبوطين 194، 191 من الذكور و3 من الاناث، وأبرز المضبوطات قنب هندي، قنب مصنع، حشيش، غاز الضحك، كريستال، واكستازي.

وتبين إحصائية مكافحة المخدرات لعام 2025 انخفاض في قضايا ضبط المخدرات مقارنة مع السنة الماضية.

ويعيد متابعون التراجع الملموس الى تركيز الجهود على التجار والمروجين والمزارعين، والتشديد في قضايا تجارة المخدرات المحولة للقضاء وصدور الأحكام العالية ما أدى إلى لجوء التجار والمروجين لترحيل الجريمة الى المناطق البعيدة والحدودية والنائية والى الداخل الفلسطيني.

ويرون ان هذه الجهود والتوجيهات إذا ما اقترنت بالجهود الأمنية للأجهزة الفلسطينية المختلفة، ستؤدي الى الحد من انتشار ظاهرة الاتجار والتعاطي بين فئات المجتمع.

ويرى الدكتور خالد أبو ظاهر، – جامعة الاستقلال – فلسطين، ان العوامل المسببة لانتشار ظاهرة تعاطي المخدرات بين افراد المجتمع الفلسطيني كثيرة ومتعددة ومتداخلة ومتفاعلة فيما بينها، بحيث يصعب الفصل بينها، ويصعب تحديد عامل واحد لها، لان الانسان ما هو الا نتاج بيئته، لذلك يمكن القول ان العوامل المسببة للإدمان مرتبطة بالجانبين الذاتي والجانب البيئي، فهما وجهان لعملة واحدة، وهناك عوامل أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية وصحية ونفسية وجنسية والاحتلالية والأمنية والثقافية وأخرى تتعلق بالمخدرات من حيث ثمنها وسهولة الحصول عليها.

وبالرغم من جهود الاجهزة الأمنية الفلسطينية الحثيثة للتصدي لظاهرة تعاطي وتجارة المخدرات المتفشية بالأوساط الشبابية، الا ان توصيات المحللين والمراقبين تؤكد أن الجهود الأمنية لا تكفي للوقاية والمكافحة من ظاهرة تعاطي المخدرات والحد منها.

وتعمل إدارة مكافحة المخدرات في ظروف معقدة وخاصة التقسيمات الإدارية، ومنعها من العمل في العديد من المناطق وعدم سيطرتها على الحدود وشح الإمكانيات، لكنها عملت على تطوير ذاتها وإمكانياتها وقدرات ضباطها وأفرادها وتقديم الدورات اللازمة لهم في هذا المضمار وحققت النجاحات في مكافحة هذه الآفة

وتحث الشرطة الفلسطينية وخاصة إدارة مكافحة المخدرات وبإسناد المؤسسة الأمنية وبتعاون واضح من المواطنين السعي  للحد من انتشار الآفة ، التي تتنامى في كل المجتمعات معتمدة، على عقيدة وطنية تؤمن بضرورة المحافظة على ابناء الشعب الفلسطيني في ظل الاستهداف الكامل له من قبل الاحتلال في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، على قواعد قانونية أساسها القرار بقانون رقم 18لعام 2015 وتعديلاته والصلاحيات التي منحها لها القانون وكلفها بمكافحة هذه الجريمة، وملاحقة من يرتكبها، والقبض عليهم وتقديمهم للعدالة .

المتحدث باسم الشرطة العقيد لؤي ارزيقات، رأى ان الانخفاض في عدد قضايا ضبط المخدرات التي سجلت هذا العام لا يعد مؤشرا على انخفاض المستهلكين والمتعاطين للمواد المخدرة وتنامي الطلب عليها حيث اعتمد الكثير منهم على شراء المواد المخدرة من المناطق الحدودية والقريبة من جدار الضم والتوسع وأبراج المراقبة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي.

ويشير التكييف القانوني للقضايا الى ان نسبة قضايا ضبط التعاطي ما زالت تشكل 90% من قضايا الضبط خلال السنوات السابقة، بينما تشكل قضايا الزراعة والتجارة والترويج والتخزين 10% اضافة الى ان وسائل تهريب جديدة ظهرت مؤخرا قادمة من الخارج كان اخرها تهريب حبوب (الكبتاجون) داخل أرجل طاولة بشحنة قادمة من تركيا، وأخرى بشحنة ملابس وهذا يشكل عبء آخر وأسلوب جديد يجب مكافحته.

وفي المقابل، أشار ارزيقات الى ثقافة قانونية واجتماعية بدأت تظهر في المجتمع الفلسطيني تمثلت بجرأة الأسرة في الابلاغ عن أحد افرادها لتعاطيه المخدرات، وبالتالي تُقدم الحماية له وللأسرة وللمجتمع.

والمضبوطين في هذه القضايا يشمل حملة الهوية المقدسية أو الزرقاء الذين يرتادون على اريحا للتنزه والاستجمام)، تلتها محافظة طولكرم والتي سُجل فيها 212 قضية بنسبة بلغت 12% ( أيضا قضايا تعاطي وحيازة والمضبوطين في هذه القضايا ممن يحملون هوية إسرائيلية) ، وبعدها جاءت بيت لحم وقلقيلية بنسبة 11% لكل منها ، بينما كانت طوباس المحافظة الأقل تسجيلا لهذه القضايا بنسبة بلغت 2% .

وأوضح ارزيقات بأن المقبوض عليهم في جرائم المخدرات على مدار العام اشتملت على جميع الفئات العمرية، ولكنها تركزت في الفئة ما بين 18- 35عام بنسبة 76%، تلتها ما بين 35- 45 عام بنسبة 16%، والأقل من 18 عاما 5%، الفئة العمرية ما بين 45-55 2%، والاكثر من 55 عام بنسبة 1%، كما كانت فئة غير متزوجين أعلى نسبة ما بين المتعاطين بنسبة 61%، والمتزوجون 37%، والأرامل 3% والمطلقين 2%.

تغريد كشك، قالت إن هذه الآفة خطيرة وتهدد صحة الفرد، والنسيج الاجتماعي الفلسطيني بأكمله، وتشكل إحدى أدوات الاحتلال الإسرائيلي لضرب منعة شعبنا وتدمير مستقبل شبابه، لا سيما في القدس ومخيمات اللجوء والمناطق المهمشة.

وأضافت: الاحتلال الذي يستهدف الأرض والإنسان، لا يتورع عن دعم شبكات ترويج المخدرات وتسخيرها كأداة لضرب القيم الوطنية والانتماء، وخلق بيئة محبطة تقطع الطريق أمام روح المقاومة والتغيير.

وقالت: جبهة النضال الشعبي تؤكد أهمية بناء استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة المخدرات تشارك فيها المؤسسات الأمنية والتربوية والإعلامية والاجتماعية ودور العبادة، بحيث تعتمد هذه الاستراتيجية على دعم جهود مؤسسات العلاج والتأهيل، وتوفير إمكانيات الدعم النفسي والاجتماعي للمتعافين من الإدمان.

كما دعت كشك إلى إشراك النقابات والمؤسسات المهنية والمجتمعية في حملات التوعية والتثقيف، وإلى تحمل مسؤولياتها في حماية البيئة المهنية والمجتمعية من هذه الظواهر، وتعزيز دور المرأة والشباب في المبادرات التوعوية الرقابية التي تعتمدها المؤسسات والنقابات كخط دفاع أول عن القيم المجتمعية والهوية الوطنية.

كشك، ختمت بالقول: إننا في جبهة النضال نرى أن مكافحة المخدرات هي معركة وطنية وأخلاقية بامتياز، تتكامل فيها الأدوار الرسمية والشعبية، وتتطلب وحدة الجهد والتخطيط والتنفيذ، كما تتطلب الإرادة السياسية لمجابهة الاحتلال وأدواته.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى