الاستيطان يرسم الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة


بقلم: حسني شيلو
نهم الاستيطان، يتسارع وبات يلتهم الارض الفلسطينية في تكثيف غير مسبوق تتكاثر فيه البؤر الاستيطانية المترافقة مع شبكة واسعة من الطرق لربط المستوطنات المتناثرة في الضفة الغربية مع بعضها البعض، فتبتلع الالاف من الدونمات، فتضيق على القرى الفلسطينية، وتحولها الى “كنتونات” معزولة ومحاصرة بالمستوطنات، ضمن خطة الضم الفعلي والتهجير القسري الجاري تنفيذها على الأرض.
لا يخفى على أحد، أن هذه الممارسات الاحتلالية الاحلالية، تشكل جزءًا من مشروع استيطاني شامل يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة الغربية، ويشمل تهجير التجمعات البدوية، وهدم المنازل، وفرض قيود مشددة على الحركة والنقل والتنقل، ما يعكس تصعيدًا خطيرًا، فقد أدت هذه الاجراءات إلى تهجير أكثر من 60 تجمّعا فلسطينيا خلال العامين والنصف الماضيين، في واحدة من أوسع موجات التهجير القسري التي شهدتها الضفة في السنوات الأخيرة.
وبحسب الأرقام التي اوردتها المؤسسات المتابعة للاستيطان، فإن الأراضي التي استولى عليها المستوطنون لأغراضهم خلال الفترة الماضية، تشكل نحو 14% من مساحة الضفة الغربية، وتشير المعطيات ايضا إلى أنه منذ يونيو/حزيران 2022 وحتى مارس/آذار 2025، تم إنشاء أكثر من 70 بؤرة استيطانية لترتفع المساحة التي يسيطر عليها المستوطنون عبر هذه البؤر إلى نحو 786 ألف دونم، وترافق هذا التمدد مع تصاعد كبير في أعمال العنف المنظم الذي يتم برعاية وحماية من جيش الاحتلال التي تقوم بها ميليشيات المستوطنين.
هذه الحكومة الفاشية تتبع سياسة منهجية مشجعة لهجرة الاسرائيليين الى الضفة الغربية، عبر تكثيف الاستيطان وتسليح المستوطنين، وبمنح مكافآت ومحفزات اقتصادية مباشرة لهم من اجل تشجيع الهجرة للمستوطنات.
إن هذه السياسات الإسرائيلية تشمل إقامة البؤر الاستيطانية، ونصب الحواجز العسكرية، وإغلاق الطرق، وكلها أدوات تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وإحكام القبضة عليها في اطار مسلسل التهجير ومما يقوّض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة مترامية الاطراف.
“عام 2025 سيكون عام ضم الضفة والاستيطان والهدم”، عبارات لخص وزير مالية الاحتلال المتطرف وراعي الاستيطان الفاشي بتسئليل سموتريتش، رؤيته للضفة الغربية وسياسته واجراءاته فيها خلال هذا العام ، وهو ما يقوم به فعليا على الأرض مع تشديد الحصار المالي على السلطة الفلسطينية لتقويضها، إن ما صرح به سموتريتش ونتنياهو عمليًا يمارسانه على الأرض بشكل يومي في جريمة الإبادة والتطهير العرقي لجميع مظاهر الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة “ج” التي تشكل ما يزيد على 60% من الضفة الغربية، والتعامل معها كعمق إستراتيجي للاستيطان.
إن المستوطنات في الضفة الغربية يعد خرق للقانون الدولي الانساني، الذي ينص على القوانين والنظم المتبعة في اوقات الحرب والاحتلال، بل ويعد هذا ايضاً خرق لحقوق الانسان المتعارف عليها بموجب القانون الدولي ، الذي يمنع الدولة المحتلة من نقل مواطنيها الى المناطق التي قامت باحتلالها (بند 49 لاتفاقية جينيف الرابعة، بالاضافة الى ذلك تنص انظمة “لاهاي” على منع الدولة المحتلة من اجراء تغيرات دائمة فى الاراضي المحتلة، باستثناء تغيرات ضرورية لحاجات عسكرية او لصالح السكان المحليين.
الأوضاع الخطيرة على الأرض، لم يعد بالامكان التعامل معها موسميا أو من خلال حلول فردية، بل تحتاج الى تنظيم الصفوف وتحشيد الجهود الوطنية، وجعل مواجهة الاستيطان أولوية سياسية ومجتمعية، قبل ان نصحو على واقع القرى والبلدات المحترقة، وفقدان الاراضي، فحكومة اليمين المتطرف لا تنقصها الإمكانات لتنفيذ مخططها، ولكن يحد من مشاريعها حضور المقاومة الشعبية الميدانية المنظمة وابتداع اساليبهابعيداً عن التقليدية التي فقدت حظورها وفعاليتها.
كما يتطلب توسيع عملية الإسناد الاجتماعي لقرى المواجهة وتوسيع حالة التضامن الشعبي معها، وهو يتطلب برنامج عمل ميداني تلتف حوله كافة المؤسسات المحلية والاحزاب السياسية مع حركة تضامن عالمية فاعلة، لحماية الأرض والتحدي الجودي المصيري المفروض علينا. مع رفع وتيرة المقاومة الشعبية لشل حركة ونشاط ميليشيات المستوطنين واعادتهم الى الحركة في سيارات مصفحة وعبر القوافل، فلا حرية حركة لهم على الأرض التي ينهبونها، كل هذا يجب ان يترافق مع الاستمرار في الجهد الساسي والدبلوماسي وفي المعركة القانونية في المحافل الدولية ومع كافة المنظمات الدولية ضمن استراتيجية عمل وطنية متكاملة الابعاد وموحدة الاليات والأهداف تفضح الاحتلال وداعميه وتقرب الانتصار.