قطار تصحيح العلاقات الفلسطينية اللبنانية انطلق


بقلم: د. فريد إسماعيل
قلما حظيت زيارة لوفد عربي او دولي إلى لبنان بذلك الاهتمام الرسمي والشعبي اللبناني وكذلك الشارع الفلسطيني كزيارة الوفد الفلسطيني برئاسة رئيس دولة فلسطين إلى لبنان في ٢٢-٥-٢٠٢٥. وقد كانت وسائل الإعلام في لبنان قد انشغلت بهذه الزيارة وكرست لها مساحات واسعة من صفحاتها وفضاءاتها منذ لحظة تأكيدها وإعلان موعدها، ولكل هذا بالطبع أسبابه ومبرراته. فالشارع الفلسطيني في لبنان انتظر هذه الزيارة باعتبارها مدخلا لتحريك المياه الراكدة في مسار التخفيف من معاناة اللاجئ الفلسطيني المحروم من معظم حقوقه المدنية والاجتماعية والإنسانية كالحق في العمل والتملك والاستقرار الاجتماعي. أما لبنان الرسمي والشعبي، فقد أبدى اهتماما خاصا بهذه الزيارة وبالتحديد بعد أن طفا على السطح من جديد موضوع معالجة مسألة السلاح في المخيمات، لا سيما بعد الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة على لبنان والاتفاق على تنفيذ القرار ١٧٠١، وإطلاق عناصر تابعين لحركة حماس بعض الصواريخ القديمة من الجنوب اللبناني وإعلان الحركة براءتها من هذا العمل معتبرة إياه عملا فرديا.
لكن رغم حالة الارتياح التي سادت المجتمعات الفلسطينية مع هذه الزيارة، فقد انبرى المصطادون في الماء العكر، حتى قبل وصول الوفد الرئاسي، للتشكيك في أهداف هذه الزيارة وتنظيم الحملات المسعورة الممنهجة التي لا تخلو كالعادة من لغة التخوين والتهويل، في محاولة لتعويم الذات والبحث عن موقع بعد انكشاف الأقنعة وسقوطهم المدوي. صاغوا البيانات اللقيطة والأخبار المضللة لإشاعة حالة من الخوف والتشكيك وعدم اليقين لدى أبناء شعبنا في لبنان، تغمرهم عقدة المؤامرة والحقد الدفين على القيادة الشرعية لشعبنا الفلسطيني، وبين صفوفهم الفلسطيني واللبناني ومن هو رجل دين. لقد شكلت محاولاتهم التآمرية استفتاء أثبت خلاله شعبنا في لبنان تمسكه بمنظمة التحرير الفلسطينية وثقته بقيادته الشرعية وحرصها على أمنه وعلى حقوقه ومستقبله.
ولإدراك أهمية هذه الزيارة لا بد من العودة قليلا إلى الوراء. فعلى مدى سنوات، وبالتحديد بعد انقلاب غزة العام ٢٠٠٧، حاولت بعض القوى الفلسطينية تعزيز وجودها ضمن المجتمع الفلسطيني في لبنان مستفيدة من الدعم المادي واللوجستي والإعلامي الذي كانت تتلقاه مما كان يسمى محور المقاومة والقوى اللبنانية المنخرطة في إطاره، وفرض نفسها كقوة تمثيلية للشارع الفلسطيني في إطار سعيها البائس لتكريس نفسها بديلا لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني. لكن ما أفرزته الحرب الإسرائيلية على فلسطين ولبنان والمنطقة من متغيرات ووقائع جديدة من سقوط مفهوم وحدة الساحات وقطع طريق طهران بيروت الاستراتيجي مع انهيار نظام الأسد، وتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة وإضعاف حزب الله، وبروز عهد جديد في لبنان يعمل على دمج لبنان في امتداده العربي من جديد ويحاول إرساء سلطة الدولة وسيادتها وحدها على كامل أراضيها، كل ذلك كان يجب أن يدفع تلك القوى إلى إعادة قراءة المشهد من جديد وعدم زج المخيمات الفلسطينية في التجاذبات الداخلية اللبنانية، والاقتناع بأن الوقائع تغيرت، وبأن ضمان أمن وسلامة واستقرار المخيمات وأهلنا في لبنان لا يتحقق بسياسة التحريض وبيانات التضليل والأخبار المدسوسة الكاذبة، وإنما بالرهان على ما تقوم به دولة فلسطين من إعادة بناء للعلاقات الفلسطينية اللبنانية على أسس جديدة تحفظ كرامة الفلسطيني في لبنان وحقوقه، كما تحترم سيادة لبنان واستقلاله.
لقد أسقطت زيارة الرئيس الفلسطيني والوفد الرئاسي المرافق بصفتها زيارة ” دولة إلى دولة” كل رهانات البعض على تكريس واقع تمثيلي في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، كما أن الموقف اللبناني كان في غاية الوضوح والحسم بحصرية التمثيل الفلسطيني بمنظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين دون أي شريك، وان إعادة بناء وتنظيم العلاقات الفلسطينية اللبنانية يتم حصرا بين الدولتين.
هذا من ناحية الشكل والعنوان. وفي المضمون فقد فتحت هذه الزيارة بوابة إعادة بناء العلاقات اللبنانية الفلسطينية القائمة على احترام سيادة لبنان وممارسة سلطته على كافة الأراضي اللبنانية بما فيها المخيمات، وحصر السلاح بيد الدولة وضمان أمن واستقرار الفلسطيني في لبنان والحفاظ على كرامته والعمل على نيله حقوقه المدنية والاجتماعية والاقتصادية مع رفض التوطين باعتبار أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان ضيوفا إلى حين العودة.
كما ان زيارة الوفد الرئاسي الفلسطيني إلى لبنان برئاسة رئيس دولة فلسطين لم تكن مجرد شكل بروتوكولي تقليدي، بل صاغت أسس مسار عمل مشترك وواضح بين الطرفين نتج عنه لجنة لبنانية فلسطينية مشتركة تضع الآليات المناسبة لتنفيذ ما اتفق عليه على المستوى الرئاسي ضمن برنامج واضح المعالم والخطوات. أما المتضررون من التوافق الفلسطيني اللبناني، فلا يروا من كل ذلك سوى ما يفيض به عقلهم مما يطلقون عليه ” مؤامرة نزع سلاح المخيمات”، وكأن هذا السلاح الفردي بمعظمه والقديم هو الذي سيحرر فلسطين ويزيل دولة الاحتلال من الوجود، أو أن كل قوى الأرض قاطبة تترقب نزع هذا السلاح لتنقض على المخيمات وتنهي الوجود الفلسطيني. وهنا يبرز السؤال: ما وظيفة هذا السلاح في ظل المتغيرات الاستراتيجية في المنطقة وانكسار المعادلة الاقليمية، لا سيما في ظل عهد جديد في لبنان يعمل بإصرار على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها في إطار دولة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد. لكن يبدو أن البعض غير قادر على التخلص من مرض التبعية للأجندات الخارجية وإن تناقضت مع مصالح شعبه وتطلعاته.
لكن قطار تصحيح العلاقات الفلسطينية اللبنانية قد انطلق، وحتما سيصل إلى محطاته الآمنة.