مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار بغزة: بين التفاوض والتصعيد


بقلم: د. أحمد مجدلاني
الحرب المكثفة والمركزة التي تشنها حكومة نتنياهو بقرار أمريكي على قطاع غزة لم تكن مفاجئة لأي مراقب سياسي، بل كانت نتاج لتحول وانتقال لسياسة الإدارة الأمريكية لمرحلة جديدة إزاء الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، ودفع الأمور وفقاً لرؤيتها الجديدة، ما يعزز رغبتها في الانتقال من مرحلة إدارة الصراع والتوازن في عهد إدارة بايدن الى مرحلة الحسم وخاصة أنها استنفذت مرحلة وقف إطلاق النار بإثبات قدرتها على التوصل إليه وتحقيق التهدئة في السابع عشر من يناير الماضي، وبخاصة إذا كان يخدم أهدافها في حماية إسرائيل من نفسها أولاً وعدم رضاها عن النتائج التي تحققت رغم الدعم الأمريكي غير المحدود لها ، ومن جهة أخرى خلق بيئة مواتية لشق الطريق أمام تنفيذ مشروع ترامب لتهجير سكان غزة والسيطرة عليه.
واضح تماماً أن قيادة حماس رغم البرغماتية الكبيرة التي تتحلى بها وهي نتاج طبيعي لثقافة حركة الإخوان المسلمين، فقد جانبها الصواب عندما اعتقدت واهمة أنها عبر حوار مع قنوات فرعية مع إدارة ترامب من الممكن أن تضمن دوراً مستقبلياً لها في الترتيبات الإقليمية التي يسعى لها ترامب في المنطقة، وذهبت الى حد الاعتقاد واهمة أو متناسية أن التراجع عن الحديث عن تهجير سكان غزة بأوساط الإدارة الأمريكية لا يعني الغاء مشروع التهجير وبنت موقفها التفاوضي مع ويتكوف مبعوث الرئيس ترامب استناداً إلى لعبة الشد والجذب التقليدية في المفاوضات التي امتدت طيلة فترة إدارة بايدن مع دعم وتغطية من الوسطاء العرب، مصر وقطر المنحازين لفلسطين وشعب فلسطين.
ولم تلقي هذه القيادة بالاً جدياً للتهديدات التي أطلقها ترامب وكل الناطقين باسمه بأن أبواب الجحيم سوف تفتح على غزة ما لم توافق على مقترح ويتكوف، والذي بصرف النظر عن مضمونه بتمديد المرحلة الانتقالية وبإعادة المحتجزين المطلوب تبادلهم.
السؤال المركزي الذي يجب أن تجاوب عليه قيادة حركة حماس، إلى أي مدى من الممكن استخدام هذه الورقة التفاوضية، وهل من الممكن وفق تقديرهم أن تضمن أفقاً ودوراً سياسياً للحركة بالمستقبل، خاصة بعد إقرار القمة العربية المبادرة المصرية بشأن غزة، والتي بينت بوضوح أن لا دور لحماس وبقايا حكومتها.
المبادرة العربية رفضتها إدارة ترامب وإسرائيل بعد ساعات قليلة من انتهاء القمة بالقاهرة، ولم يخطر ببال قيادة حركة حماس وهي تدير هذه المعركة السياسية التفاوضية مع ويتكوف وليس مع إسرائيل أن لا خيارات واسعة أمامها سوى القبول بما يعرض عليها، وما قد يحسنه الوسطاء العرب من شروط للصفقة، أو التصعيد، لأن التصعيد هي الوسيلة الأكثر وضوحاً من إدارة ترامب للتعبير عن رفضها للخطة العربية المصرية، وليس لإذعان حركة حماس فقط.
التجاهل الثاني من قبل قيادة حركة حماس لما يجري في إسرائيل من تحولات تعد انقلاباً على النظام الديمقراطي للمواطنين اليهود في إسرائيل وليس لكل مواطنيها، هذا الانقلاب الذي من شأنه تعزيز قوة اليمين الفاشي الجديد وتمكينه من مؤسسات الدولة، وإبعاد أي جهة رقابية من شأنها أن توقف هذا المد الشعبوي، في مواجهة دعوات تشكيل لجنة رسمية للتحقيق بالتقصير بأحداث السابع من أكتوبر، ومسؤولية المستوى السياسي، فضلاً عن فضيحة “قطر غيت” في مكتب نتنياهو، والذهاب لتصفية الخصوم في سياق هذا الانقلاب من رئيس الشاباك رونين بار وطرده من منصبه، الى طرد المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية.
نعم نتنياهو كان بحاجة للتصعيد العسكري واستغلال رفض حماس، بل كان يتمنى أن ترفض حماس مبادرة ويتكوف للذهاب بعيداً وللهروب من مأزقه الداخلي وتصديره على الفلسطينيين، ليس فقط بسبب الفضائح بمكتبه وتهم الفساد والتقصير، وإنما لضمان أغلبية كبيرة لتمرير الموازنة السنوية قبل نهاية الشهر الجاري.
لقد نجح نتنياهو بفضل حماس من تجاوز مأزقه وتصديره للخارج، وإعادة ضم بن غفير للحكومة وتعزيز رصيدها بالكنيست لتسعة وستون صوتاً، مما يعطيها اغلبية مريحة ومن لون واحد لمواجهة الضغوط الداخلية، والمحكمة العليا والتسلح بأغلبية إرادة الشعب في مواجهة مؤسسات الدولة التي يسميها العميقة.
لكن الأهم من كل شيء هو المقامرة والمغامرة بمصير الشعب الفلسطيني وخصوصاً سكان قطاع غزة، لأنهم من يدفعون فاتورة هذه التجارب والتكتيكات الخاطئة، وكأن مصير حماس ومستقبلها في كفة ومصير الشعب الفلسطيني بالكفة الأخرى.
إن عدم التصرف بمسؤولية اتجاه الشعب الفلسطيني أولاً، ومصالحه الحيوية يقود لمسلسل الكوارث الذي يدفع ثمنه المواطن الفلسطيني في غزة والضفة والقدس الشرقية، ويعطي الذرائع للإدارة الأمريكية ونتنياهو للانقضاض على المبادرة المصرية لأنها البديل العملي الوحيد الذي يحظى بإجماع عربي ودولي لمواجهة مشروع ترامب بتهجير سكان غزة والسيطرة عليها.
حس المسؤولية الوطنية العالي كان يستدعي من قيادة حركة حماس بعد فشل مفاوضات الدوحة ليس التوجه للقاهرة لطلب العودة للتفاوض مجدداً لإنقاذ نفسها، بل بالإعلان الرسمي عن تبني قرار الجامعة العربية بشأن مبادرة إعادة إعمار غزة، والتخلي عما تبقى من حكمها وسيطرتها على قطاع غزة للسلطة الشرعية وحكومتها لمواصلة التفاوض بما يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني ويحقن دمائه، وللانتقال فعلياً مع الجهد العربي والدولي الداعم لسحب الذرائع من نتنياهو وإدارة ترامب لوقف حرب الإبادة وضمان الانسحاب الإسرائيلي الشامل من قطاع غزة لإعادة الأعمار ولتثبيت بقاء سكان غزة ببلدهم وأرضهم بخطة الإنعاش المبكر.
فهل ستصغي حماس إلى صوت المنطق والعقل والمسؤولية الوطنية، أم ستظل راكضة وراء أوهام الحفاظ على النفس، ودور قد تقتنصه مقابل تنازلاتها.
ما ننصح به العقلاء من حركة حماس أن خيار الحركة وموقعها بالصف الوطني، وأوراق الاعتماد بدلاً من تقديمها للأمريكي من الأجدر والأصوب والأقرب والأسهل تقديمها للقيادة الفلسطينية لأنها الضمانة الوحيدة لحركة حماس لحماية نفسها كجزء ومكون من المكونات السياسية والمجتمعية للشعب الفلسطيني، ومن يكن خارج الشرعية الوطنية ومؤسساتها لن يصنع له أيا كان أية شرعية، وربما تجارب الماضي القريب أفضل دروس لكي تتعلم منها.