الحرب على فلسطين ولبنان والاثمان الباهظة


بقلم د. فريد اسماعيل
تتراكم التساؤلات ونحن نراقب فرحة الجنوبيين اللبنانيين وتوقهم للعودة إلى قراهم، وصدمتهم بواقع التدمير ومشهد أنقاض بيوتهم. مشهد مرير لم يكن أمر منه سوى غابة الركام التي ابتكرتها آلة الحرب والدمار الصهيونية والصواريخ الذكية الأمريكية في قطاع غزة، ولا سيما في شماله حيث لم يجد بعض سكانه حتى مواقع بيوتهم التي كانت يوما مفعمة بالحياة وزاخرة بامال المستقبل.
لم يعد يكفي العدو وشركاؤه قتل الفلسطيني واللبناني والانسان العربي، بل وجب قتل البيوت والبساتين والزيتون والأرض وحجارتها، لأن هذه الأرض تعود لتنبت رجالا تسكنهم فلسطين منذ الولادة. لذلك عمد العدو إلى قتل الأرض أملا بفض الرباط المقدس بينها وبين اصحابها. يغير ملامحها لتصبح غريبة عنهم، فلا يجدوا مخرجا سوى تركها ليلتحقوا بقطار الغربة والتشريد. وهذه أحد أهم أهداف هذه الحروب الصهيونية الأمريكية كونها تشكل الركيزة الأساسية في بناء شرق اوسطهم الجديد.
تتجاهل الإدارات الأمريكية والغربية حجم المعاناة الإنسانية التي تعيشها شعوبنا في ظل هذه الحروب، لا سيما في قطاع غزة والضفة والقدس ولبنان، لأن طبيعة الأهداف اللااخلاقية لهذه الحروب تتناقض مع أبسط مفاهيم الإنسانية والكرامة البشرية..ففي لبنان، وبعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تحدث الكثيرون عن نتائج تلك الحرب العسكرية والسياسية. لكن ارتدادات تلك الحرب على أهالي الجنوب والضاحية والمناطق المنكوبة كان قاسيا جدا. فمع وقف العمليات القتالية، شد أهالي تلك المناطق الرحال إلى بلداتهم وقراهم، فاستقبلتهم الصدمة لدى رؤية هول الدمار في بيوتهم وارزاقهم. ويتحدث عائدون أنهم كانوا مستعدين نفسيا إلى حد ما قبل رجوعهم، لكن حجم الدمار كان صادما جدا إلى حد جعل البعض منهم يرفض التصديق. فالصورة التي كانت تنقلها بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل في الفترة السابقة، لم تعط الصورة الحقيقية. كما وأن هذا الدمار يتعدى كونه دمارا ماديا ليشمل التمزق الاجتماعي والنفسي الذي يعاني منه العائدون الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد مأساوي لمنازلهم ومزارعهم ومدارسهم ومحلاتهم ومؤسساتهم. وصدمة أخرى واجهت الآلاف ممن حاولوا العودة حين تبين أن جيش الاحتلال جاثم في قراهم وبلداتهم، وبعضهم لا زال بالانتظار.
يقاتل العسكر، يتفاوض السياسيون، تدمر بيوت الأهالي وقراهم. تتم الاستغاثة بالولايات المتحدة شريكة القاتل، فيتم وقف إطلاق النار بحبر وورقة أمريكية ملحقة. يفرح الناس، ينصبون خيمة مكان البيت لقناعتهم بأن الأرض إن ضاعت، لا تستعاد بسهولة.
أما في غزة والضفة، فلن تستطيع كتب التاريخ حصر معالم المأساة، فالتاريخ المعاصر لم يعرف مثيلا لحجم العدوان والقتل والابادة والدمار الذي تعرض له شعبنا ولا زال. لم يعد القطاع قطاعا، بل أنقاض قطاع. صور الأقمار الصناعية تظهر ركاما لا متناهيا خلف ركام. وبعد خمسة عشر شهرا من الحرب، بدأت رحلة العودة خاصة إلى شمال القطاع، رحلة مليئة بالتحديات والصعاب، حملت الأمهات والأطفال والرجال والشيوخ ما تيسر وعادوا مشيا على الأقدام. بعضهم أطفال حفاة، وكثيرون من كبار السن. يعلمون مسبقا أنهم لن يجدوا منازلهم، ويدركون صعوبة الحياة دون بنى تحتية وخدمات أساسية، لكن الأمل يحذوهم بإمكانية إعادة بناء حياتهم بعد أن فقدوا الآلاف من ابناءهم واهلهم وفلذات اكبادهم.
بعد توقف القتال تبدو غزة عارية. توقفت مذبحة غزة، ربما مؤقتا، واستعرت المجازر في الضفة بدءا من جنين بعد يوم واحد من تنصيب ترامب لتمتد بعدها إلى طولكرم ومناطق أخرى، فالمخطط الصهيوني هو امتداد المذابح تحت مسمى” عملية السور الحديدي” إلى كل مناطق الضفة.
وبالنظر إلى خسائر شعبنا وتضحياته الجسام وهول الكارثة، يحق لنا أن نتساءل، لماذا دفعنا هذا الثمن الباهظ ومن أجل ماذا ولمصلحة من!! صحيح اننا فرحون بحرية أسرانا واسيراتنا لكن هل قمنا بتبييض السجون كما كان الوعد أم رفعنا اعداد أسرانا واسيراتنا اضعافا! وهل اوقفنا الاعتداءات على الأقصى والقتل والتوغلات في الضفة، أم قام العدو تحت ضجيج الإبادة والقتل بإقرار تشريع هو بمثابة ضم فعلي للضفة حين حول الإدارة في الضفة من الجيش إلى الحكومة، وتوسع في حرب الحسم الاستيطاني وتغيير الواقع الديمغرافي!! هل كانت عملية اختراق غلاف غزة تستحق كل هذه الأثمان، واغلاها هو ما يقدر بمئتي ألف شهيد وضحية وجريح ومعتقل ومفقود! هذا ولا زالت مؤشرات استئناف الحرب أعلى من مؤشرات استمرار وقفها. فالصورة التي ترافق جولات إطلاق سراح الأسيرات تعزز موقف المطالبين لعودة الحرب في المجتمع الصهيوني وهم كثر.
وترامب يريد إنهاء الحرب بضربة أكبر لشعبنا من خلال التهجير، لذلك يجب توقع الأسوأ في ظل التقاطع بين الجنون الأمريكي والإسرائيلي. فها هي غزة بين حطام وركام، وكذلك لبنان في الكثير من مناطقه. لكن لبنان يعمل على الخروج من هذا الوضع من خلال نجاحه في انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس للحكومة، والجهود مستمرة لتضميد الجراح. أما في فلسطين فلا زالت حماس رغم الركام والدمار والاثمان الباهظة، مصرة على تجاهل الوقائع الأليمة ورافضة استخلاص العبر والدروس، والاعتراف بأن تسليم الأمور إلى السلطة الوطنية الفلسطينية هو الخيار الموضوعي الوحيد القادر على تثبيت أهلنا وعودة الحياة إلى غزة وافشال مخططات العدو من خلال إعادة توحيد شطري الوطن.