أقلام وآراء

فلسطين.. لبنان.. سوريا.. كرة نار تتدحرج

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

من فلسطين إلى لبنان إلى سوريا تتدحرج كرة النار، فليس من قبيل الصدفة أن تصعد دولة الكيان حربها على لبنان بعد أن أكملت فعليا احتلاله قطاع غزة بعد تدميره، وأقرت تشريعات تمثل في جوهرها عملية ضم فعلي للضفة الغربية وما رافق ذلك من حرب إبادة جماعية في غزة وحرب استيطان في الضفة. وليس صدفة أن يشتعل الوضع في سوريا مباشرة بعد الاتفاق على وقف لإطلاق النار في لبنان أساسه القرار الدولي ١٧٠١ والورقة الأمريكية.  فما أن تنخفض وتيرة الحرب في مكان من منطقتنا العربية حتى تشتعل في مكان آخر.  حروب أهدافها تتنوع بين الاحتلال والضم والسيطرة والنفوذ تتنازعها دول العالم والاقليم، والأرض أرضنا والاوطان أوطاننا. فمنطقتنا اليوم هي ضحية موقعها الاستراتيجي المتحكم بسلاسل الإمداد من طرق وممرات اقتصادية عالمية، كما هي ضحية ضعف النظام العربي وترهله وابتعاده عن مصالح شعوبه وارتهانه لإملاءات دول خارجية دولية وإقليمية. نحن ضحايا صراعات الآخرين وضحايا الأحلام الصهيونية ومحاولات بناء شرق اوسطهم الجديد، وضحايا الرؤية الأمريكية لعالم جديد على طريقتهم. فهم يسابقون الزمن لتحقيق هذه الأهداف قبل اكتمال عقد العالم المتعدد الأقطاب الذي يرعبهم، لأن من شأنه أن يعيد التوازن ويحقق العدالة ويقلص أو يضع حدا لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية ومن معها على مصائر الشعوب ومقدرات الأوطان.

ماذا يريد الرئيس القادم ترامب من شرق اوسطنا الذي تتقاذفه كرة النار المتنقلة من بقعة إلى أخرى، وهو الذي وعد العالم بإنهاء الحروب، وما المقصود بإنهائها، والولايات المتحدة كانت من اشعلها أو وقف خلفها وصب الزيت عليها.

لكن قبل ذلك نعود إلى الترابط بين انتقال كرة النار من فلسطين إلى لبنان ومن ثم إلى سوريا.  بالطبع تبقى فلسطين أم القضايا، ومنها يحلم نتنياهو بالانطلاق نحو شرق اوسطه الجديد. لذلك يكذب ويراوغ ويناقض نفسه دون خجل، لكنه طيلة فترات حكمه عمل على مجموعة من الأهداف تخدم استراتيجيته ومنها البقاء في السلطة واستبدال النخب في إسرائيل بتعزيز هيمنة تحالف اليمين القومي والديني الداعي للاستيطان في ” أرض إسرائيل الكاملة” على حد زعمهم، وضم الأراضي الفلسطينية لا سيما الضفة الغربية. وما تصريح سموتريتش عن تخصيص أكثر من ٢4 ألف دونم من الأراضي في الضفة للاستيطان إلا دليلا على ذلك. فنتنياهو بعد اعتباره أنه حقق عددا من الأهداف الاستراتيجية من خلال حرب الإبادة واحتلال القطاع وشن حرب استيطان بشعة في الضفة، انتقل في حربه إلى ساحة أخرى وهي لبنان والتي توقفت بتوافق على تنفيذ القرار ١٧٠١ والذي من شأنه أن يبعد حزب الله إلى الشمال من نهر الليطاني، وينهي ما اعتمد على تسميته ” وحدة الساحات”. أما الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل، فهما يؤمنان بأن نتائج الحرب على غزة ولبنان تشكل فرصة لتحجيم النفوذ والوجود الإيراني في سوريا بشكل جوهري.  ولذلك لا عجب في أن تشتعل النيران في سوريا مباشرة بعد وقف اطلاق النار في لبنان. كما وأن بناء الشرق الأوسط الإسرائيلي الجديد القائم على مخطط تحقيق حلم إسرائيل الكبرى في إطار العالم الأمريكي الترامبي، يتطلب إخضاع كل من يناهض هذا المشروع أو يقف إلى جانب شعب فلسطين وقضيته الوطنية.  فتوقيت اشعال النار في سوريا لم يكن منعزلا أبدا عن مخرجات الجبهات في غزة ولبنان. كذلك عملت الولايات المتحدة على استغلال انشغال روسيا في الحرب الأوكرانية لتصفية الحساب معها واحراجها لعدم تمكنها من تقديم مساعدة فعالة للجيش السوري.

نعود هنا إلى الوعد الذي قدمه الرئيس الأمريكي المنتخب ترامب بإنهاء الحروب. هو فعلا يرغب بإنهاء بعض الحروب ليس إيمانا منه بالعدالة أو بحق الشعوب في تقرير المصير والعيش بكرامة أو احتراما منه لحياة البشر، وإنما ليتفرغ للحرب الوحيدة التي تؤرقه وهي التصدي للعملاق الصيني الذي يفرض نفسه على الاقتصاد العالمي، فهناك حربه الحقيقية، تلك الحرب التي تهدد بإسقاط الهيمنة الأمريكية المتوحشة على مصائر الأمم والشعوب. فجنوب شرق آسيا وبحر الصين والصين-كابوس يجثم على صدر ترامب وهو عقدته الأساسية.

لذلك فإن الوعد الترامبي بإنهاء الحروب يعني تقسيم المقسم مما يصب على صعيد منطقتنا في مصلحة الحلم الصهيوني بقيام دولة إسرائيل الكبرى المهيمنة على ثروات المنطقة وخيراتها. لذلك هناك خشية كبيرة من أن يكون ما يحصل في سوريا هو الشروع الفعلي في تنفيذ مخطط تقسيمها إلى دويلات طائفية وعرقية. فطبيعة تطور الأحداث تشير إلى أنها لا يمكن أن تكون وليدة قرار منفرد من هيئة أو مجموعة بذاتها وإنما تقف خلفها قوى كثيرة ودولا عديدة.  فبعد إيران التي عملت على مدى سنوات على تغيير التركيبة الديموغرافية لبعض المناطق في الجغرافيا السورية ، عملت تركيا على فرض الطابع التركي على مناطق سيطرتها ونفوذها في الشمال السوري، وتجد في الوضع الحالي فرصة تقربها من تحقيق الحلم بالسيطرة الكاملة على مناطق الشمال أو حتى ضمها مستقبلا.  كما وأن الولايات المتحدة الأمريكية تستثمر في هذه الأحداث بتوسيع دائرة سيطرة قوات قسد الكردية التي تدعمها في ريف الرقة ودير الزور وصولا إلى البو كمال و الحدود العراقية  ، وبذلك تحقق الولايات المتحدة هدفا استراتيجيا لإسرائيل وهو قطع طريق طهران بيروت. أما إسرائيل التي يصب كل ما يحصل حتى الآن على الأرض السورية في مصلحتها، فإنها تجد أن الوقت أصبح سانحا للتوسع والسيطرة على منطقة تعتبرها عازلة في الجولان بحجة الحفاظ على أمنها.

إن ما يحصل في سوريا اليوم يخدم المخطط الأمريكي الإسرائيلي لبناء شرق أوسط جديد بدأ منذ زمن، لكن مفاعيله بدأت تظهر في فلسطين ثم لبنان والآن في سوريا. وإذا ما نجح فسيتم الانتقال إلى دولة أخرى عربية.. والدور على الجميع.

لكن التجارب السابقة علمتنا أن الغرق في الوحل السوري مكلف جدا، فالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الذين نجحوا في إسقاط أنظمة وتغيير وقائع في عدد من الدول العربية في زمن الخريف العربي، غرقوا في الوحل السوري الذي تختلف فيه الوقائع والمصالح الجيواستراتيجية، ولا زالوا عالقين. والخشية اليوم أن نكون أمام مرحلة دموية جديدة وطويلة يدفع ثمنها الأبرياء والمصالح الوطنية والعربية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى